دفاعًا عن السيد البدوي الذي نكرهه!
ما إن يحلّ موعد مولد السيد البدوي حتى تشتعل صفحات التواصل بمعركة تتكرر كل عام؛ فريق يطعن في الرجل وآخر يرفعه فوق قدره وبينهما شتائم لا تنتهي. وفي النهاية يمضي المولد كما مضى في السنة التي قبلها؛ فلا يتغير شيء. فهل المشكلة حقًّا في شخص السيد البدوي؟ أم في حكم الاحتفال بالموالد، وما يجري عند الأضرحة من دعاء غير الله ونذور وتجاوزات؟ في هذا المقال نعيد السؤال إلى أصله، ونبيّن كيف نتعامل مع الناس بالحسنى، ونُنكر المنكر بالحكمة والنصيحة دون شتم أو اعتداء.
وأخاف أن تكون هذه المعركة نفسها أنفع شيء لمن يريد أن يبقى كل شيء على حاله، حتى لو لم يقصد أحد ذلك؛ فهي تشغلنا برجل مات منذ قرون عن أمور تجري أمام أعيننا كل عام.
رجل لا نعرف عنه ما يكفي:
عاش أحمد البدوي قبل نحو ثمانية قرون، وُلد في المغرب على الأرجح واستقر في طنطا. وما يُحكى عنه خليط عجيب: أنه لم يكن يصلي الجمعة، وأنه كان شيعيًّا، وأنه كان سنيًّا، ثم كرامات لا يحصيها أحد. ولا أريد الخوض في شيء من هذا، لأن أكثره لا نعرف من رواه ولا متى كُتب، والتاريخ لا يُبنى بالسماع.
وقد كتب عنه الشيخ عبد الحليم محمود، شيخ الأزهر الأسبق، كتابًا صغيرًا. والرجل من محبي التصوف والمدافعين عنه، لكنه كتب بهدوء، وردّ ما أُثير حول البدوي من شبهات دون أن يشتم أحدًا ودون أن يبالغ في المدح. وهكذا ينبغي أن يُتناول رجل كهذا: لا نلعنه بروايات لا تثبت، ولا نرفعه بروايات لا تثبت.
ولنفترض أنه وليّ:
لنفترض أن كل ما قيل ضده افتراء، وأننا تأكدنا تأكدًا تامًا أنه من أولياء الله الصالحين. ماذا يتغير في المولد؟ لا شيء، لأن المسألة لا تخص الرجل أصلًا.
المرأة التي تقف عند الضريح وتطلب الولد، والرجل الذي يمسك بحديد المقصورة ويطلب الشفاء، لا يسألان عن عقيدة صاحب القبر ولا عن صحة الروايات. هما يطلبان منه ما لا يُطلب إلا من الله. والله يقول: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [الأحقاف: 5]، ويقول: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: 18]. وقال النبي ﷺ: «إذا سألتَ فاسأل الله، وإذا استعنتَ فاستعن بالله» (رواه الترمذي)، وقال: «الدعاء هو العبادة» (رواه أبو داود والترمذي).
فمن طلب من الميت ما لا يقدر عليه إلا الله، فقد وقع عند كثير من أهل العلم في الشرك، سواء كان الميت أعظم الأولياء أو أقلهم شأنًا. ولو كان المقام لأعظم الخلق ﷺ ما تغيّر الحكم. وهو نفسه ﷺ قال: «لا تجعلوا قبري عيدًا» (رواه أبو داود)، ولعن الذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد (متفق عليه).
ماذا يحدث هناك؟
من حضر المولد يعرف، ولا حاجة إلى وصف طويل: طواف حول الضريح وتمسح به، ونذور وأموال تُلقى، وحاجات تُرفع إلى صاحب القبر، واختلاط وسهر وتجاوزات أخلاقية، ثم حلقات تُقرع فيها الطبول ويرقص فيها الناس ويسمّون ذلك ذكرًا.
وقد وصف الله الذاكرين فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: 2]، وقال: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]. فأين الوجل والطمأنينة من صخب الطبول؟ والمنكر لا يزول لأن اسم صاحب المولد جميل، حتى لو كان الاسم اسم النبي ﷺ.
الناس ليسوا سواء:
العامي الذي وجد أهله يفعلون ذلك فنشأ عليه، وقيل له إنه حب في أولياء الله، لا يُشتم ولا يُفضح. يُعلَّم بالحسنى ويُصبر عليه. فالحكم على الفعل غير الحكم على صاحبه، وإقامة الحجة لها شروطها.
أما العالم الذي يحضر ويبارك ويجلس في الصف الأول، فحسابه أشد، لأنه يعرف ما لا يعرفه العامي، وقد أخذ الله على أهل العلم عهدًا: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: 187]. وحضوره وحده كافٍ ليظن آلاف الناس أن الأمر مباح. والمثقف الذي يذهب إلى حلقة الذكر ليرقص «احتفاءً بالتراث»، ثم يكتب عن جمالها، لا عذر له بالجهل أيضًا. لا نشتم هؤلاء، لكننا لا نسكت عنهم. ننصحهم علنًا بالعلم والأدب، فـ«الدين النصيحة» (رواه مسلم)، ونطالبهم بالدليل.
المعركة الجانبية:
وأعود لأكرر؛ أخشى أن تكون معركة «نحب البدوي أو نكرهه» أنفع شيء لمن يريد بقاء المنكر. فالمعترضون يتحولون في عين العامة إلى «مسيئين لأولياء الله»، والمدافعون يتحولون إلى حراس لما لا يجوز الدفاع عنه. وفي الحالتين لا يتعلم الناس أن الله وحده هو الذي يُدعى، وأن الاحتفال، أيًّا كان اسم صاحبه، لا يجعل الحرام حلالًا.
ما العمل؟
كلما اشتعل الجدل حول شخص البدوي، نعيد السؤال إلى أصله؛ ليس السؤال: أكان شيعيًّا أم سنيًّا؟ ولا: نحبه أم نكرهه؟ السؤال: هل يجوز ما يفعله الناس عند قبره؟ ونقول للناس بكلام بسيط إن الله قريب يسمع دعاءهم بلا وسيط: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة: 186]. ثم نغيّر المنكر بما نملكه من طرق مشروعة: الكلمة، والتعليم، والمطالبة الرسمية بمنع التجاوزات، دون أن نعتدي على أحد.
السيد البدوي بين يدي ربه منذ ثمانية قرون، وسيُحاسَب بما عمل. أما نحن فسنُسأل عما نفعله اليوم: هل بيّنّا الحق؟ فلنرجع بالجدل إلى أصله. القضية ليست: هل نحب البدوي؟ بل: هل يُعبد الله وحده؟ هل قلنا للناس إن الله وحده هو الذي يُدعى؟ وإن كان المنكر منكرًا باسم البدوي فهو منكر باسم أي أحد.



