كلنا متآمرون
قال لي صاحبي منفعلا: إنه الغرب المتآمر علينا، والذي يحارب ديننا، إنه السبب في كل ما نحن فيه.
استدار إليه صديق آخر أكثر انفعالا، وهو يقول: هكذا نحن، نغلق عيوبنا وضعفنا وكسلنا علي غيرنا.
وقبل أن يحتدم النقاش، ويحلو الخلاف، وتستمرؤه القلوب، قلت لهما بهدوء:
- تصورا أنكما علي حق، أنتما الاثنين!!
- وقبل أن تزلفنى نظراتهما، قلت مبتسمًا:
- إن قادة الغرب، أو غير المسلمين عموماً، يعتبرون الإسلام عدوًا لهم؛ ليس لاكتشافهم عيب فيه، ولكنه لإدراكهم من تجربة سابقة، أن بقائهم متعلق بضعفه، لإدراكهم أن معني ازدهار قيم الإسلام اندحار قيم الباطل التي يديرون بها حياتهم، والذي يعيشون فيه؛ ولذلك يدبرون له المؤامرات الواحدة تلو الأخرى حتى يبقي ضعيفًا، ولعله يموت أو يمحي.
نظرت إلي صديقي الأول، الذي انتشى من نصف إجابتي وقلت: هذه واحدة، والثانية أن ما نحن فيه من ضعف ووهن وتراجع حضاري، ليس سببه الأساسي نجاح مؤامرات غير المسلمين الموجهة إلينا، إن نجاح مؤامرات الغرب أو بعضها ليس بسبب قوة هذه المؤامرات أو حبكتها، إن ذلك كله سببه نحن.
فكلنا متآمرون..
نحن أولاً: لأننا بعدنا عن عوامل القوة في ديننا، واستسهلنا اعتمادنا على الآخرين.
ونحن ثانيًا: لأننا لم نظهر جوانب العظمة في ديننا لغير المسلمين؛ فكسرنا علي الأقل عداء السواد الأعظم من غير المهتمين بالصراع.
نحن يا أصدقاء السبب في كل ما نحن فيه، حتى في مؤامرات الأعداء الذين يروننا بيئة صالحة للعبة التآمر.
نحن يا أصدقاء الذين قال الله فينا: )ذَلِكَ بـِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بـِأَنْفُسِهِمْ( [الأنفال: 53]
ونحن يا أصدقاء الذين بين أيدينا سبيل النجاة في قوله تعالى:)إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بـِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بـِأَنْفُسِهِمْ( [الرعد:11].
ولا يخفى على أي دارس لتاريخ أمة الإسلام، ذلك الوضع الحضاري المتراجع التي باتت فيه الأمة منذ سقوط بغداد سنة 656 هـ بين يدي التتار، إلا من أصوات هنا أو هناك، ومنذ هذا الحدث العظيم، ومُنْحَنى التراجع يزداد في جميع المجالات، وانهالت الضربات تِلو الضربات، تستهدف العُمُد الأساسية التي قامت عليها هذه الأمة، وساعد على سرعة الانهيار، أن الضعف بدأ يسري في جسد الأمة، حيث تمزقت إلى دويلات متصارعة، وأصبح العلم لا ميزان له، حتى نادى من رأى ذلك -خوفًا على التلاعب بأحكام الإسلام- أنه يجب غلق باب الاجتهاد في الأحكام الشرعية، وأصبحت النوازل لا مُفتي لها.
وبدأ المرض يدب في أوصال المجتمع، فأصاب الفرد والأسرة معًا، وكان أظهر أشكال الظلم الاجتماعي ما وقع على المرأة؛ حيث إن تاريخ المرأة في الإسلام مرتبط بواقع الإسلام نفسه، فكلما عظم شأن الإسلام عظم شأن المرأة، وكلما هان شأن الإسلام هان شأن المرأة.
وساد التقليد والجمود والتشدد، وظهرت أصوات تنادي بالحد من تعليم المرأة وقصره في أضيق الحدود، وتفضيل ألا تتعلم الكتابة لتنجو من مراسلة الغلمان. كما ضعف الفقه الإسلامي بسبب غلق باب الاجتهاد، وضعفت العلوم والفنون، ولا يخفى على أحد الارتباط الشديد والتداخل الكامل بين قضايا المرأة وقضايا الأسرة، حيث إن هذه القضايا المتداخلة التي بدأت تعلو على السطح في أواخر القرن الثامن عشر تمثل أكبر التحديات الداخلية التي تواجه الأسرة المسلمة.
كل ذلك جعل أصواتًا عاليةً تطالب بالإصلاح الاجتماعي؛ حيث تميزت في بدايتها بالإخلاص واتخذت الإسلام مرجعًا أساسيًا، واعتبرت أن الهدف هو العودة إلى الأحكام الراقية للإسلام في مجال المجتمع، ومع البعثات العلمية إلى الغرب في أوائل القرن التاسع عشر ومع طلائع الاستعمار في أواخره، بدأت ظاهرة التغريب في مجتمعاتنا التي أصبحت بعد ذلك ومع ضعف المناعة الداخلية تولد بيئة خصبة لنمو الأفكار الغربية في الأسرة المسلمة.
وهكذا كانت بوابة الدخول إلى حصن الإسلام هي الأسرة … ومفتاحها هو المرأة …
وبعد أن تنهار الأسرة وينهار معها المجتمع
هل أحدثك بعد ذلك عن الاستبداد السياسي؟
والانهيار الأخلاقي؟
والانحراف القيمي؟
والضعف الاقتصادي؟
والتبعية العسكرية؟
والغزو الثقافي؟
كنت أقول هذا الكلام بقوة وبصوت عال حزين، وعلامات استفهام وتعجب كبيرة تخرج من رأسي صاحبي
سكت لأسترد أنفاسي … فانتهز أحدهم الفرصة وسألني وهو يبتسم: هل أغضبك أحد؟!
أفقت بسرعة وحاولت الابتسام وأنا أقول لهما: قد أكون غضبان، ولكن ليس من مؤامرة الاعداء وإنما من وهن الاصدقاء.
فكلنا متآمرون..
لا أستثني أحد!