الأيام المعدودات (ذكر وفكر)
إن الطابع العام لسلوكيات الحاج في الأراضي المقدسة هو الذكر والاستغفار، ولا زالت ألسنتهم تَلْهَجُ بالتَّلبية:
(لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك).
ويناديهم ربهم عند الإفاضة ويذكِّرهم: + ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ واسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ”﴾ [البقرة: 199]
فإذا وقع احتمال أن تشغلهم العودة إلى أهليهم عن ذكر الله يقول لهم: ﴿+فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا ومَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ [البقرة: 200].
وفي مِنَى حيث أيام التشريق ورمى الجمار، لا عمل للحجاج فيها إلا الذكر، قال تعالى: ﴿+واذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ ومَن تَأَخَّرَ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى واتَّقُوا اللَّهَ واعْلَمُوا أَنَّكُمْ إلَيْهِ تُحْشَرُونَ”﴾ [البقرة: 203].
فاذكر اللهَ مع الحاجِّ إذا طاف، واذكر اللهَ مع الحاجِّ إذا سعى، واذكر الله مع الحاجِّ حين يقف على عرفات، واذكر الله مع الحاجِّ حين يفيض من عرفات، واذكر اللهَ مع الحاجِّ حين يَبِيت في مِنَى.
يقول ذو النون المصري: «ما طابت الدنيا إلا بذكره، ولا الآخرة إلا بعفوه، ولا الجنة إلا برؤية وجهه».
اذكروا وتذكَّروا وتفكَّروا..
ومع ذكر الله يتذكر العبد موقع دينه وشريعته بين الأمم: هل تَحَسَّسْتَ مع الحجيج أقدام الوحي الأولى تتنزل بأول ما نزل من القرآن ﴿+اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَذِي خَلَقَ﴾ [العلق:1].
وهل رأيت تلك الخطوات وهي ذاهبة مودِّعَة بعد أن تلت على الأمة آخر ما نزل من الآيات ﴿+اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ورَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِينًا﴾ [المائدة:3]
ثم هل استشعرت ما حدث بين ﴿اقْرأْ﴾ و ﴿أَكْمَلْتُ لَكُمْ﴾؟
نريد بيعة العقبة:
هل تدري يا صاحبي أين كانت بيعة العقبة، تلك البيعة التي لا يوازيها – عند أصحابها- فضل (حضور بدر)؟ إنها كانت في وادي منى، حيث يبيت الحجيج.
تفكَّر يا أخي ماذا فعلت تلك البيعة للإسلام؟! لقد غَيَّرَتْ وجهَ التاريخ؛ حيث بايع الأنصار -الاثنين والسبعين- رسول الله × فمكَّنت هذه البيعة المسلمين من الهجرة إلى المدينة، حيث انطلاقة الإسلام الكبرى.
ألا ترى معي يا أخي أننا نريد عقبة جديدة، وبيعة جديدة تعبر بها العقبة؟!
إننا في حاجة إلى عهود صادقة نبني بها أجيالنا الجديدة على الرغبة في العزة والرفعة.
لسانٌ واحدٌ وقلبٌ واحدٌ:
ألا تتفكر يا أخي في أن هذا الجمع المحتشد على اختلاف أجناسه وألوانه وألسنته يُلَبِّي بلسان واحد (لبيك اللهم لبيك)، ويستغفر بلسان واحد، ويحمد بلسان واحد، ثم ألا تستشعره يرجو ربه بقلب واحد، ويخافه بقلب واحد، ويحبه بقلب واحد. إن هذا اللسان الواحد والقلب الواحد يجتمع على مناسك واحدة هناك في أرض الله الحرام، فكن معهم بلسانك وقلبك، ورغباتك وأشواقك، ومَهِّدِ الطريق للألفة مع المؤمنين من حولك، وأصلح كلَّ ما بينك وبين المسلمين من خلاف وحقد وبغضاء وحسد؛ فلا يعقل في هذه الأيام المباركة أن تختلفوا وأنتم تُلَبُّون بلسان واحد، وتشتاقون بقلب واحد.
بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى:
ثم تفكَّرْ في إبراهيم عليه السلام وهو مهاجر إلى بيت المقدس، يقول لقومه الذين كذَّبُوه: ﴿+إنِّي ذَاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ”﴾ [الصافات: 99]، وفي بيت المقدس حيث يستقر يدعو ربه ﴿+رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات: 100].
فيرزقه الله بإسماعيل عليه السلام، الذي تقوم على حياته كلُّ مناسك الحج؛ تسعى أمُّه بين الصفا والمروة لتسقيه فتنبع بئر زمزم من تحت قدميه، ويرى أبوه في المنام أنه يذبحه فيستسلِمَان لأمر الله، فيفديه ربه بذبح عظيم.
﴿وإذْ يَرْفَعُ إبْرَاهِيمُ القَوَاعِدَ مِنَ البَيْتِ وإسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ [البقرة: 127].
ويختار الله إسماعيل وذريته في أرض المسجد الحرام، ويعطي راية التوحيد لأبناء يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، الذين هم بنو إسرائيل، ويضيع المسجد الأقصى منهم أكثر من مرة بعد أن ضيَّعوا التوحيد وجعلوه هراء؛ بما أَلَّفُوه من كُتُبٍ نسبوها إلى الوحي، وأبوا أن يستجيبوا لأيِّ نبي بعثه الله لهم، حتى يختم الله نبوتهم بثلاثة أنبياء، فقتلوا اثنين -زكريا وابنه يحيى- عليهما السلام، وحاولوا قتل الثالث؛ نبي الله عيسى-عليه السلام- ﴿ومَا قَتَلُوهُ ومَا صَلَبُوهُ، ولَكِن شُبِّهَ لَهُمْ”﴾ [النساء:157].
وبعد أن أفسدوا في الأرض تلك المرة، وعلوا عُلُوًّا كبيرَا أرسل الله عليهم عبادًا أُولِي بأس شديد، فجاسوا خلال الديار، وشَتَّتُوا بني إسرائيل في الأرض فأصبحوا لا كيان لهم.
وهنا يأذن الله -تعالى- لتلك الدعوة المباركة أن تنتقل إلى ابن إسماعيل ابن إبراهيم هناك في جزيرة العرب، بوادٍ غير ذي زرع عند البيت المحرم؛ ليقوم خاتم الأنبياء محمد × معلنًا في الناس ما طمسه بنو إسرائيل بتحريفهم: «أيها الناس: قولوا لا إله إلا الله تفلحوا». فيكذِّبه اليهود ويحاربونه، ويحاولون قتله برغم علمهم أنه نبي ﴿+الَذِينَ آتَيْنَاهُمُ الكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمُ الَذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: 20].
ويتوجَّه النبي في زيارة قصيرة إلى المسجد الأقصى في رحلة الإسراء والمعراج؛ حيث يعلن هناك في صلاته إمامًا بالأنبياء أن المسجد مسجدنا، والحائط حائِطُنَا، والقبة قُبَّتُنَا، والأرض المباركة أرضنا، وأنه لا تفريط فيها: ﴿سُبْحَانَ الَذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ إلى المَسْجِدِ الأَقْصَى الَذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِير﴾ [الإسراء:1].
وبعد سنوات قليلة تتدفق كتائب التوحيد لتحرر المسجد الأقصى من شراذم الرومان، ويتسلم مفتاحها عمر بن الخطاب t ويعلو فيها صوت التوحيد.
فأين كان اليهود يومئذ؟!
وبعد مئات السنين يعود الاحتلال الصليبي ليدنس المسجد الأقصى، فتنطلق كتائب التوحيد بقيادة صلاح الدين لتحرره من جديد.
فأين كان اليهود يومئذ؟!
واليوم هل يحتاج الواقع إلى مقال؟!
ولا زال السؤال يُدَوِّي في آفاق الأمة عند كلِّ تلاوة لآيات الإسراء: مَنْ يُحَرِّرها للمرة الثالثة؟!
﴿+ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا * إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء:6- 7]
ألا ترى يا أخي أن الله رَدَّ الكرة لبني إسرائيل مرة أخرى في هذا الزمان، وأمدَّهم بأموال وبنين، وجعلهم أكثر نفيرًا؟! فهل أحسنوا؟!
إن الدماء الطاهرة على الجدران المهدمة، وعدد الشهداء الذي يقفز على العشرات يوميًّا. والرصاص المحرَّم، والدبَّابات، والطفل الخائف بين ذراعي أمه، كل هذا يعلن أنه قد جاء وعد الآخرة، وأنه قد آن الأوان لكتائب التوحيد أن تدخل المسجد كما دخلوه أول مرة.
﴿+فَإذَا جَاءَ وعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُوا وجُوهَكُمْ ولِيَدْخُلُوا المَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ ولِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ [الإسراء:7].
ألا ترى يا أخي أن هذه الأيام العشر المباركة تحتاج إلى أن نذكر ونتذكر ونتفكر؟