هل بدأت عاصفة المراهقة؟ أم ماذا يحدث لأبنائنا في مرحلة البلوغ ؟
زارني مجموعة أصدقاء من آباء المراهقين بعد حوارات منفعلة حول أولادهم وبناتهم المراهقين وكل منهم لديه استعداد للتعرف على مرحلة البلوغ والتدريب على طرق التعامل معها وكلهم يكاد يصرخ قائلا: لقد هبت عاصفة المراهقة!
((ابني اتغير! مش بيسمع الكلام زي الأول، بقى عصبي طول الوقت، مش طايق يقعد معانا، أصحابه أهم من البيت، الموبايل واخد كل وقته، وبقي يسأل أسئلة غريبة!))
هذه ليست شكاوى متفرقة؛ إنها عبارات أسمعها كثيرًا من آباء وأمهات بدأ أبناؤهم يدخلون مرحلة المراهقة؛ ولذلك، عندما جلست يومًا مع مجموعة من آباء المراهقين، اقترحت عليهم أن نكتب أمامنا كل المظاهر التي يلاحظونها في أبنائهم.
قلت لهم لو سجل كل منكم مظهر من المظاهر التي يشكو منها في ابنه او ابنته في مرحلة المراهق ماذا تقولون
انطلقوا في أصوات مختلطة كل منهم يذكر شيء؛ بدأ كل واحد يتحدث، واحد يذكر العصبية، وآخر يتحدث عن العناد، وثالث عن الابتعاد عن الأسرة، ورابع عن الأصدقاء، وخامس عن الهاتف والسوشيال ميديا والألعاب الرقمية، وآخر عن التعثر في الدراسة.
حتى أصبحت أمامنا قائمة طويلة من المشكلات، نظر الأصدقاء إلى بعضهم نظرة فزع بعد قراءة الورقة.
وقال أحدهم: لقد أتم ابني 15 سنة، وبدأت أزمة حياتي.
وقال آخر: لقد لخَّصْت المشكلة كلها في هذه الورقة.
قلت له: لا… لخصتم نصف المشكلة فقط، فأنتم وصفتم كيف يبدو أبناؤكم في هذه المرحلة، لكنكم لم تسألوا السؤال الأهم: لماذا يبدو أبناؤنا هكذا؟
وهنا تبدأ القصة الحقيقية للمراهقة.
أولًا: ليست كل المشكلات سببها تغيرات المراهقة:
من السهل جدًا أن نضع كل تغير في سلوك ابننا تحت عنوان واحد: دي المراهقة!
الغضب غير المبرر؟ مراهقة، الاعتراض المستمر؟ مراهقة، العزلة؟ مراهقة، الاهتمام الزائد بالمظهر؟ مراهقة، الأصدقاء بلا ضابط؟ مراهقة، ادمان الهاتف؟ مراهقة، الأسئلة الدينية المستفزة؟ مراهقة.
لكن هذه الطريقة في التفكير قد تجعلنا نخطئ في الاتجاهين: فقد نعتبر سلوكًا طبيعيًا مشكلة، فنضغط على المراهق ونزيد الصراع معه، وقد نعتبر مشكلة حقيقية شيئًا طبيعيًا ونقول: سيكبر وتعدي.
وحتى لا يقول كلُّ واحد منكم: (لقد بدأت أزمة حيــاتي) لا بُدَّ أن نفرِّق بين أمرين:
- ما يحدث بسبب النمو والبلوغ
- وما يحدث بسبب التربية وقيم المجتمع والبيئة المحيطة.
وهذا التفريق هو المفتاح الأول لفهم المراهق.
ثانيًا: البلوغ ليس هو المراهقة:
تلك المظاهر التي سجَّلتموها عن تصرفات أولادكم هي ما ظهر لكم من سلوكهم، وهو الإجابة عن: كيف يبدوا الابناء في هذه المرحلة؟ ولكنكم لَمْ تسألوا أنفسكم: لماذا هم كذلك؟
هَمْهَمَ البعض: قِلَّة أدب أكيد.
قلت موافقًا: نعم، ولكن ليس هذا هو السبب الأساسي، ولكن هناك سبب آخر ساعد على ذلك؛ هو ما نُعَبِّر عنه بسمات المرحلة السِّنيَّة، أو أثر البلوغ على السلوك والاتجاهات.. هل تعرفون الفرق بين البلوغ والمراهقة؟
قال أحدهم: أظن لا فرق بينهما.
وهنا نحتاج إلى تصحيح مفهوم شائع: البلوغ والمراهقة ليسا شيئًا واحدًا.
البلوغ يشير إلى مجموعة التغيرات الجسدية المرتبطة بالنضج الجنسي، وما يصاحبها من تغيرات جسمية وداخلية.
أما المراهقة فهي مرحلة أوسع من ذلك، تتعلق بالانتقال التدريجي نحو النضج الجسمي، والعقلي، والنفسي والاجتماعي، أي أن البلوغ جزء من رحلة أكبر.
ولهذا فإن وصول الفتى أو الفتاة إلى النضج الجنسي لا يعني أنه أصبح ناضجًا في كل شيء؛ قد ينضج الجسد بسرعة…بينما يحتاج التفكير والانفعال وتحمل المسؤولية واتخاذ القرار إلى سنوات من التعلم والخبرة.
وهنا يقع خطأ تربوي شائع: نرى جسمًا أصبح أكبر، ونرى تغيرات تشبه النضج، فنفترض أن صاحبه أصبح رجلًا أو امرأة ناضجًا في كل وظائفه.
لكن الحقيقة أن النضج رحلة، وليس لحظة، ليس تغير فسيولوجي وتدفق هورموني
ثالثًا: المراهق أحيانًا يجري خلف نموه:
النمو السريع هو أهم ما يميِّز هذه المرحلة فيجعل المراهق كأنه يجري خلف نموه يريد أن يلاحقه، فمن أهم ما يميز هذه المرحلة سرعة التغير؛ الجسم يتغير، المشاعر تتغير، العلاقة بالأسرة تتغير، العلاقة بالأصدقاء تتغير، طريقة التفكير تتغير.
وتبدأ أسئلة جديدة حول الهوية والمستقبل، والقبول والاستقلال والقيم، والمراهق لا يملك دائمًا الخبرة التي تساعده على إدارة كل هذه التغيرات، ولهذا قد ترى انفعالًا أكبر من حجم الموقف، وقد ترى قرارًا متسرعًا، وقد ترى ترددًا بعد ثقة، وقد ترى رغبة شديدة في الاستقلال، مع عدم القدرة الكاملة على تحمل مسؤولية هذا الاستقلال.
وهذا لا يعني أن نعفيه من المسؤولية، بل يعني أن نفهم أن أمامه مهارات كثيرة ما زال يحتاج ان يتعلمها، فالمراهقة ليست مرحلة اكتمل فيها نضج الإنسان…إنها مرحلة يتدرب فيها على أن يصبح أكثر نضجًا.
رابعًا: لماذا تبدو بعض الانفعالات وكأنها «بركان»؟
بعض الانفعالات قد تبدو هادئة فترة، ثم تظهر فجأة بقوة كأنها البركان الخامد عندما ينشط، قد تجده بين الحين والآخر ينفث بعض الدخان، ولكن قد يأتي وقت فينفجر، ويخرج ما بداخله على هيئة حُمَمِ بركانية.
فالمراهق قد يحمل مشاعر كثيرة لا يعرف كيف يسميها أو يعبر عنها: (ضغط، خوف، إحباط، رغبة في الاستقلال، حاجة إلى القبول، قلق بشأن شكله، قلق بشأن مستقبله، مشكلات مع الأصدقاء، ضغط دراسي، وصراع بين ما يريده وما يعرف أنه مطلوب منه)
ثم يأتي موقف صغير…فيحدث الانفجار.
ولهذا لا ينبغي أن يكون سؤالنا: إيه اللي خلاه يعمل كده فجأة؟ فربما لم يبدأ الأمر من اليوم، الأفضل أن نسأل: ما الذي كان يتراكم بداخله قبل هذه اللحظة؟
خامسًا: لكن… هل معنى ذلك أن قلة الأدب طبيعية؟
قال أحد الاصدقاء في شبه ضيق: نريد توضيحًا، فهل لا بُدَّ أن يكون تعبير الأولاد عن نموهم قلة أدب؟!
– بالطبع لا – وهذه نقطة مهمة جدًا – فهم طبيعة المرحلة لا يعني تبرير كل سلوك، ليس معنى أن المراهق يمر بتغيرات انفعالية أن نقبل الإهانة، وليس معنى أنه يريد الاستقلال أن نسمح له بتجاوز الحدود، وليس معنى أنه يبحث عن ذاته أن نتركه بلا توجيه.
هناك فرق كبير بين: أن يغضب… وأن يؤذي أحد أو نفسه.
بين: أن يعترض… وأن يهين كبيرا أو صغيرا.
وبين: أن يطلب الاستقلال… وأن يتهرب من المسؤولية.
وبين: أن يسأل… وأن يتعمد الاستهزاء.
التربية لا تعني أن نوقف النمو، بل أن نساعد المراهق على إدارة النمو.
سادسًا: هنا تأتي مسؤولية التربية:
المراهقة مرحلة نمو (جسمي وعقلي ونفسي واجتماعي) تلاحق المراهق، فيقع في مشكلات متعددة بسبب قلة خبرته في التعامل مع الحياة.
فالمراهق يدخل عالمًا جديدًا بخبرات محدودة، ووالداه لا يستطيعان أن يعيشا حياته بدلًا منه، ولا يستطيعان أن يقدما له ما يحتاجه من أدوات: أن يتعلم كيف يتعامل مع الغضب، كيف يختار صديقه، كيف يختلف باحترام، كيف يتعامل مع الجنس الآخر، كيف يستخدم الهاتف والمنصات، كيف يواجه ضغط الأصدقاء، كيف يتحمل نتائج اختياراته، كيف يفكر قبل أن يتصرف، كيف يسأل عن دينه بدل أن يخاف من السؤال، كيف يكتشف قدراته ويوظفها.
فمهمتنا هي توجيه أولادنا، وتدريبهم على الاندماج في المجتمع المحيط، وإكسابهم الكثير من الخبرات التي يحتاجونها في حياتهم الجديدة، ولا ننسى تدارك ما فاتنا من التربية في السنين السابقة. كيف يتحول تدريجيًا من شخص يحتاج إلى الرقابة الخارجية إلى شخص يمتلك رقابة ذاتية؛ وهذه هي التربية التي نحتاجها.
سابعًا: المراهق اليوم يعيش في بيئة مختلفة:
من سنوات قريبة كانت التأثيرات التربوية على المراهقين تأتي من الأسرة والمدرسة والشارع والأصدقاء ووسائل الإعلام التقليدية، أما مراهق اليوم، فقد يحمل العالم كله في جيبه؛ هاتفه قد يجعله على اتصال بأصدقائه طوال اليوم، قد يتعرض لضغط الجماعة في المدرسة وفي مجموعات الدردشة، قد يتابع أشخاصًا يؤثرون في أفكاره ومظهره وطموحه، وقد تصله أفكار ومقاطع وصور لم يبحث عنها أصلًا.
لذلك أصبحت مهمة التربية أكثر تعقيدًا، لم يعد كافيًا أن نسأل: مع مين خرجت؟ بل نحتاج أيضًا إلى أن نعرف: ما العالم الذي يدخل إليك وأنت جالس في غرفتك؟
لكن الحل ليس في تحويل البيت إلى مركز مراقبة، بل في بناء وعي داخلي؛ فالمراهق لن يعيش طوال عمره تحت رقابة والديه.
الهدف الحقيقي أن يستطيع أن يقول لنفسه: هذا يناسبني وهذا لا يناسبني، حتى عندما لا يراه أحد.
ثامنًا: ماذا نفعل إذن؟
إذا أردنا أن نربي مراهقًا متوازنًا، فهناك مجموعة من المهام لا يمكن تأجيلها.
1- نفهم المرحلة:
فلا يمكن أن نربي ما لا نفهمه، فعليك أن تعلم خصائص المراهقة، اسأل المتخصصين، واقرأ، واستمع إلى خبرات من سبقوك.
2- لا نُحَوِّل كل اختلاف إلى معركة:
ليس مطلوبًا أن يكون ابنك نسخة منك، سيكون له رأي وذوق وطموح وشخصية، والمطلوب أن تعلمه كيف يمارس اختلافه بمسؤولية.
3- نضع حدودًا واضحة:
الحرية بلا حدود ليست تربية، والسيطرة بلا حوار ليست تربية أيضًا، المراهق يحتاج إلى قواعد يعرفها، ويفهم سببها، ويدرك نتائج تجاوزها.
4- نفتح باب الحوار:
خصوصًا في الموضوعات التي قد يخجل المراهق من السؤال عنها مثل: (الدين، الجنس، العلاقات، الأصدقاء، المستقبل، الجسد، الهوية).
إذا لم يجد المراهق بيتًا آمنًا للسؤال، فسوف يبحث عن إجابة في مكان آخر، قد يكون غير آمن.
5- نعطيه فرصًا حقيقية للنضج:
لا نطالبه بأن يكون مسؤولًا، ثم نفعل كل شيء بدلًا منه؛ دعوه يختار ويخطئ في حدود الأمان، ويتحمل نتيجة اختياره، ويتعلم.
فالنضج لا يأتي من المحاضرات فقط…النضج يأتي من الممارسة.
تاسعًا: لا تنتظروا المراهقة لتبدأ التربية:
سلوكيات مرحلة المراهقة قد تكشف أشياء كان ينبغي أن ننتبه إليها في سنوات الطفولة؛ فإذا لم يتعلم الطفل احترام الآخرين، وتحمل المسؤولية، وضبط الانفعال، واحترام القواعد، فمن غير الواقعي أن نتوقع أن يصبح فجأة شخصًا منضبطًا بمجرد أن يبلغ سن المراهقة.
المراهقة لا تبدأ من الصفر، إنها تكشف وتضيف وتعيد تشكيل أبنائنا وبناتنا؛ ولهذا، إذا وجدت نفسك أمام مشكلة كبيرة مع ابنك المراهق، لا تسأل فقط: إزاي أصلح المراهق؟ اسأل أيضًا: إيه اللي فاتنا في السنوات السابقة؟
والسؤال هنا ليس للوم الوالدين، بل لاكتشاف نقطة البداية، لأن التربية لا تتوقف عند سن معين، حتى لو تأخرنا… يمكننا أن نبدأ من اليوم.
عاشرًا: المراهقة ليست نهاية الطفولة فقط بل بداية طريق الرشد:
ربما نخطئ عندما ننظر إلى المراهقة باعتبارها سنوات يجب أن تمر بسرعة حتى يعود البيت إلى الهدوء؛ لأن المراهق لا يحتاج فقط إلى أن ينتهي من المراهقة، هو يحتاج إلى أن يخرج منها أكثر قدرة على إدارة حياته.
ولهذا فإن المراهقة مرحلة شديدة الأهمية في بناء الإنسان، إنها الفترة التي يبدأ فيها الشاب والفتاة في اكتشاف: (من أنا؟ ما الذي أؤمن به؟ ما الذي أريده؟ ما مسؤوليتي؟ كيف أتعامل مع الآخرين؟ كيف أختار؟ وكيف أتحمل نتائج اختياري؟
وهنا يصبح دور الأب والأم مختلفًا؛ لم يعودا فقط من يعطي الأوامر، بل أصبحا مرافقين في رحلة الانتقال إلى الرشد.
أخيرًا… هل هبّت عاصفة المراهقة؟
ربما نعم…لكن ليس بالمعنى الذي يجعلنا نرفع الراية البيضاء ونقول: خلاص… ربنا يعيننا لحد ما المرحلة دي تخلص.
المراهقة ليست كارثة، وليست إعفاءً من التربية، وليست أيضًا مجرد عناد أو قلة أدب، إنها مرحلة نمو سريعة، ينتقل فيها الإنسان تدريجيًا نحو النضج الجسمي والعقلي والنفسي والاجتماعي.
وفي هذا الطريق قد يتعثر، وقد يغضب، وقد يخطئ، وقد يختبر الحدود، وقد يرفض بعض ما اعتاد عليه.
لكن مهمتنا ليست أن نوقف هذا الطريق، مهمتنا أن نساعده على عبوره بأمان، أن نعرف متى نحتوي؟ ومتى نحاور؟ ومتى نحزم؟ ومتى نترك مساحة؟ ومتى نتدخل؟ ومتى نقول لا؟
ومتى نقول: أنا مش موافق على تصرفك… لكني مستعد أسمعك وأفهمك.
فالمراهق لا يحتاج والدين يخافان عليه…ولا والدين يستسلمان له.
إنه يحتاج والدين يفهمان ما يحدث، ويثبتان أمام اضطرابه، ويضعان الحدود، ويمنحانه في الوقت نفسه فرصة حقيقية للنضج.
لأن الهدف في النهاية ليس أن يخرج ابنك من المراهقة وهو فقط: مؤدب وبيسمع الكلام؛ بل أن يخرج منها وهو: يعرف نفسه، ويفهم مسؤولياته، ويحترم قيمه، ويستطيع أن يختار الصواب حتى عندما لا يكون أحد يراقبه.
وهنا…ربما نكتشف أن “عاصفة المراهقة” التي كنا نخاف منها ليست عاصفة ننتظر نهايتها..
إنها رحلة نحتاج أن نتعلم كيف نرافق فيها أبناءنا.
اقرأ المزيد عن “ترويض العاصفة“:
فكتاب “ترويض العاصفة” (الجزء الأول من سلسلة “مراهقة بلا أزمة”) يفك شفرة انفعالات المراهقين ويقدم خارطة طريق عملية لترويض العاصفة وبناء الثقة والحوار بدلًا من الصدام.



