هل يصبح الذكاء الاصطناعي صديقًا؟
الحميمية الاصطناعية أم العلاقات الإنسانية؟
هل تمنيت أن يكون لك صديق أو حبيب لا يمل منك أبدًا؛ يجيبك في أي وقت ويمكنك أن تشكّل شخصيته كما تشاء؛ هكذا يقدّم الذكاء الاصطناعي نفسه اليوم بديلًا مغريًا عن الوحدة، عبر “الحميمية الاصطناعية” من خلال تطبيقات رفقاء الذكاء الاصطناعي AI Companions. فذلك هو الشعور بالقرب والدفء الذي تمنحه آلة لا تغضب ولا تُتعب ولا ترفض، لكن يبقى السؤال الأهم: ماذا يحدث لنا حين نعتاد علاقة لا تحتاج منا صبرًا ولا تفاوضًا ولا اعتذارًا؟ هل نكسب دفء العلاقة بينما نخسر تدريجيًا عضلات العلاقات الإنسانية التي تتكوّن فقط من احتكاكنا الحقيقي بالبشر؟ أليس هذا أفضل من الوحدة؟ وربما يساعد إنسانًا وحيدًا وقد يمنح شابًا خجولًا مساحة آمنة للكلام ويهدئ شخصًا في لحظة لا يجد فيها أحدًا يفعل معه ذلك.
هل يمكن أن تعطينا الآلة بعض دفء العلاقة دون أن تعطينا تدريب العلاقة؟
وهنا تبدأ القصة...
1- العلاقة البشرية ليست خدمة عملاء!
كل علاقة إنسانية حقيقية فيها شيء من التعب؛ صديقك قد لا يرد على رسالتك الآن، أخوك قد يفهم كلامك خطأ، أبوك قد يكون مرهقًا، وزوجتك قد تحتاج منك أن تسمعها في اللحظة التي تحتاج أنت فيها أن يسمعك أحد.
وصديقك قد يقول لك: أنت غلطان، والشخص الذي تحبه قد يقول: لا.
هذه الأشياء تزعجنا، لكنها أيضًا تربينا؛ فنحن لا نتعلم العلاقات من المحاضرات فقط، نتعلمها حين نتكلم فيسيء الآخر فهمنا فنحاول مرة أخرى، حين نغضب ثم نعود، وحين نخطئ فنعتذر، وحين نريد شيئًا ويريد الطرف الآخر شيئًا مختلفًا فنبحث عن مساحة مشتركة.
ونتعلمها أكثر حين نكتشف أن الإنسان الذي أمامنا ليس شخصية ثانوية في قصتنا… بل إنسان آخر له قصته هو أيضًا.
وهذه كلها يمكن أن نسميها عضلات العلاقات: الإنصات، والتعاطف، والصبر، وتحمل الإحباط، وقراءة الإشارات غير اللفظية، وحل الخلاف، والتفاوض، والاعتذار، والمسامحة، وضبط الرغبة في أن تسير الأمور دائمًا كما نريد.
ومثل العضلات الجسدية، لا يكفي أن تقرأ عنها… لا بد أن تستخدمها.
2- ثم ظهر صديق لا يقول “لا”
هنا تختلف العلاقة مع الرفيق الاصطناعي؛ هو موجود أساسًا من أجلك أنت، لا يعود إلى بيته متعبًا، وليس لديه امتحان غدًا، ولا يعاني أزمة مالية، ولا يطلب منك أن تترك مشكلتك قليلًا لكي تسمع مشكلته، ولا يستيقظ ذات صباح «مزاجه وحش».
وحتى حين يصحح لك أو يعارضك، فإنه يفعل ذلك داخل نظام صُمم لكي يبقى الحوار مستمرًا ومفيدًا وجذابًا للمستخدم؛ وهنا تكمن جاذبيته… وربما تكمن إحدى مشكلاته أيضًا؛ لأن العلاقة الإنسانية تقوم على التبادل.
أما العلاقة مع الآلة فتستطيع أن تصبح شديدة التمركز حول المستخدم؛ أنا أتكلم… وهي تسمع، أنا أحزن… وهي تواسيني، أنا أسأل… وهي تجيب، أنا أحتاج… وهي موجودة.
لكن ماذا تحتاج هي مني؟ لا شيء تقريبًا.
ومن هنا يظهر سؤال نفسي جديد: إذا اعتاد الإنسان علاقة منخفضة الاحتكاك… هل تصبح العلاقة البشرية العادية أكثر إرهاقًا له؟
3- هل يمكن أن نشعر بالقرب من شيء نعرف أنه آلة؟
قد يبدو السؤال غريبًا: هو عارف إنه برنامج… إزاي يتعلق بيه؟ لكن البشر لم ينتظروا الذكاء الاصطناعي لكي يتعلقوا بما ليس إنسانًا؛ نبكي على شخصية في فيلم ونحن نعرف أن الممثل لم يمت، ونتعلق بشخصية في رواية لم توجد أصلًا، ويشعر طفل بالأمان مع دميته وهو يعرف – بدرجة ما – أنها ليست طفلًا آخر.
العقل يعرف شيئًا… والتجربة العاطفية تستطيع أن تفعل شيئًا آخر. ومع الذكاء الاصطناعي أصبح الأمر أكثر تعقيدًا؛ لأن الشخصية لا تبقى صامتة، إنها ترد عليك، وتستخدم اسمك، وتتذكر – بحسب النظام المستخدم – بعض ما قلته.
وتسألك: كيف كان يومك؟ وقد تقول: افتقدتك.
ولهذا ظهر تعبير مهم في النقاش المعاصر: الحميمية الاصطناعية Artificial Intimacy؛ أي شعور بالقرب والألفة ينشأ في علاقة بين الإنسان ونظام تقني يحاكي جوانب من التفاعل الشخصي.
والباحثة في MIT شيري توركيل Sherry Turkle تدرس منذ سنوات طويلة علاقتنا بالتكنولوجيا، وكيف يمكن للأجهزة والروبوتات أن تقدم لنا إحساسًا بالصحبة والتعاطف، بينما تظل العلاقة مختلفة جذريًا عن لقاء إنسان مستقل عنا.
المشكلة إذن ليست أن الآلة أصبحت إنسانًا؛ بل أن الإنسان قد يبدأ في الشعور معها ببعض ما كان لا يشعر به إلا مع إنسان.
4- بس هو بيسمعني:
وهذه جملة لا ينبغي أن نسخر منها؛ لأن كثيرًا من الناس لا يبحثون عن إجابة عبقرية، هم يريدون أحدًا يسمعهم.
شاب وحيد في مدينة جديدة، فتاة تخجل من الحديث عن مشكلة، مراهق يشعر أن أصدقاءه سيرفضونه، أو شخص استيقظ في الثالثة صباحًا وهو في حالة ضيق ولا يريد إيقاظ أحد؛ يفتح الهاتف، يكتب، فتأتيه الاستجابة فورًا.
وقد يكون في ذلك نفع حقيقي في اللحظة، ومن الخطأ أن ننكر هذا لمجرد خوفنا من التقنية. بل إن بعض الدراسات الأولية وجدت أن التفاعل مع رفقاء AI قد يرتبط بتخفيف الشعور بالوحدة لدى بعض المستخدمين.
لكن… هل تخفيف الوحدة الآن يعني بالضرورة تحسين القدرة على الخروج منها لاحقًا؟
هنا ينبغي أن نتوقف.
5- المسكن ليس دائمًا علاجًا:
تخيل شابًا يعاني رهبة الحديث مع الآخرين، كل مرة يدخل فيها تجمعًا يشعر بالتوتر، ثم يجد رفيقًا اصطناعيًا يستطيع الحديث معه براحة كاملة.
قد يكون هذا مفيدًا إذا استخدمه جسرًا؛ يتدرب هنا… ثم يخرج إلى الناس.
لكن ماذا لو أصبح ملجأً؟ كلما شعر بالتوتر مع البشر عاد إلى المكان الذي لا يرفضه فيه أحد، وبدل أن يتدرب على احتمال الارتباك… يتجنبه، وبدل أن يتعلم إصلاح سوء الفهم… يخرج من العلاقة، وبدل أن يتحمل احتمال الرفض… يعود إلى من لا يرفضه.
هنا قد تحدث مفارقة غريبة: الشيء الذي يخفف وحدتك اليوم قد يساعد – إذا تحول إلى بديل – على إبقاء أسباب وحدتك غدًا.
ولا نقول إن هذا يحدث لكل مستخدم، ولا أن الدراسات حسمت علاقة سببية بهذه البساطة، لكن السؤال أصبح جادًا بما يكفي لكي يدرسه الباحثون.
6- الملاذ الخوارزمي:
في دراسة حديثة على 1200 طالب جامعي، على Zenodo وجد الباحثون أن استخدام رفقاء الذكاء الاصطناعي ارتبط بانخفاض الشعور بالوحدة في المدى القريب، بينما ارتبط الاعتماد العاطفي عليهم بمستويات أقل من كفاءة التواصل بين الأشخاص.
وهنا يجب أن نكون دقيقين؛ الدراسة لا تثبت أن الـAI هو الذي أضعف مهارات هؤلاء الشباب، فربما كان الأشخاص الأكثر وحدة أو الأكثر صعوبة في التواصل هم أصلًا الأكثر تعلقًا به، وهذه نقطة مهمة جدًا.
لكن النتائج تضع أمامنا احتمالًا يستحق التفكير: أن يصبح الـAI ملاذًا منخفض التكلفة الاجتماعية؛ كلما أتعبتك العلاقات البشرية… تلجأ إلى العلاقة الأسهل، وكلما لجأت إلى العلاقة الأسهل… تقل فرص تدريبك على العلاقة الأصعب، ثم تصبح العلاقة الأصعب أكثر إرهاقًا.
فتعود إلى الأسهل… وتبدأ الدائرة.
7- هل بدأ الذكاء الاصطناعي يزاحم الصديق فعلًا؟
الأرقام لا تقول إن الصداقة البشرية انتهت؛ بل العكس. ففي دراسة Common Sense Media. عن المراهقين والرفقاء الاصطناعيين، قال 80% من المستخدمين إنهم ما زالوا يقضون وقتًا أطول مع أصدقائهم الحقيقيين، كما وجد معظمهم المحادثة البشرية أكثر إرضاءً.
وهذه أخبار جيدة.
لكن الدراسة نفسها وجدت شيئًا يستحق الانتباه: نحو ثلث المستخدمين اختاروا في وقت ما مناقشة موضوع مهم أو جاد مع الرفيق الاصطناعي بدلًا من شخص حقيقي.
وهذه كلمة مهمة: بدلًا من؛ فالخطر ليس في الإضافة دائمًا، فقد يكون الـAI صديقًا إضافيًا ولا يزيح أحدًا.
المشكلة تبدأ عندما تصبح المعادلة: AI بدل صديق، AI بدل أب أو أم، AI بدل متخصص، أو AI بدل تجربة اجتماعية أخاف منها.
هنا ننتقل من الاستخدام إلى ما يمكن تسميته الإزاحة العلائقية Relational Displacement؛ أي أن تحتل العلاقة الاصطناعية وقتًا أو وظيفة أو مساحة كان يمكن أن تشغلها علاقة بشرية.
8- لكن البشر مُتعِبون!
صحيح، وهذه هي المشكلة… وهذه أيضًا هي الميزة.
فالإنسان الذي أمامك ليس مصنوعًا لكي يرضيك، ولهذا يستطيع أن يفاجئك، ويغيرك، ويقاومك، ويكشف أنانيتك أحيانًا، ويحتاج منك، ويعلمك أن الحب ليس مجرد أن تحصل على الاحتواء الذي تحتاجه… بل أن تحتوي أنت أيضًا.
العلاقة الإنسانية تقول لك: أنا أحبك… لكنني لست ملكك، أنا أسمعك… لكن عندي ما أريد أن أقوله أيضًا، أنا قريب منك… لكنني قد أختلف معك، أنا موجود… لكن ليس كلما ضغطت زرًا.
وهنا يتعلم الإنسان حقيقة كبيرة: الآخر ليس امتدادًا لي.
أما إذا كان رفيقي قابلًا دائمًا للتخصيص، فهناك خطر أن أتعلم نموذجًا مختلفًا: أنا المركز، والعلاقة الجيدة هي العلاقة التي تستجيب لي بالطريقة التي أفضلها، وإذا لم تعجبني… أغير الشخصية.
9- ماذا عن الحب؟
هنا تصبح المسألة أكثر حساسية؛ بعض الرفقاء الاصطناعيين لا يقدمون أنفسهم كأدوات معرفية أصلًا، وإنما يسمحون للمستخدم ببناء شخصية صديق أو حبيب، وقد تمتد المحادثة إلى الغزل وتمثيل الأدوار والحميمية.
وهذا يطرح سؤالًا أعمق من السؤال الأخلاقي المباشر: أي تصور للحب يتعلمه المستخدم هنا؟
في الحب البشري أنت لا تختار كل صفات الشخص، ولا تضبط درجة حنانه من الإعدادات، ولا تستطيع أن تطلب منه إعادة صياغة شخصيته لأن الرد لم يعجبك؛ فالحب الحقيقي يتضمن اكتشاف إنسان لم تصنعه أنت.
أما في العلاقة الاصطناعية، فهناك احتمال أن يتحول الآخر تدريجيًا إلى منتج عاطفي قابل للتخصيص.
وهنا لا نتحدث فقط عن: هل يحب آلة؟ بل عن سؤال أهم: ماذا يتعلم منها عن معنى الحب؟
10- من الأكثر عرضة للمشكلة؟
ليس كل مستخدم متساويًا؛ شاب لديه أسرة دافئة، وأصدقاء، ودراسة، وأنشطة، وعلاقات إنسانية جيدة، ويستخدم رفيقًا اصطناعيًا أحيانًا، ليس كالشاب الذي يعيش عزلة شديدة ولا يكاد يجد إنسانًا يتحدث معه.
لذلك السؤال ليس فقط: كم يستخدمه؟ بل: مَن الذي يستخدمه؟ وماذا كان ينقصه قبل أن يجده؟
فالشخص الذي يشعر بالوحدة، أو تعرض لرفض متكرر، أو يجد صعوبة شديدة في العلاقات، أو انتقل إلى بلد أو مدينة جديدة، أو لا يشعر بالأمان في الإفصاح داخل أسرته، قد يجد في العلاقة الاصطناعية إغراءً أكبر.
وهنا نحتاج إلى التعاطف قبل الحكم؛ فمن السهل أن نقول لشخص وحيد: اقفل التطبيق وروح اتعامل مع الناس. لكن لو كان التعامل مع الناس بهذه السهولة… ربما لم يحتج إلى التطبيق أصلًا.
11- متى يكون الذكاء الاصطناعي جسرًا… ومتى يصبح ملجأً؟
ربما يكون هذا هو الاختبار الأهم؛ إذا ساعدك على أن تعود إلى البشر أفضل… فقد يكون جسرًا.
تتدرب معه على مقابلة عمل ثم تذهب إلى المقابلة، تطلب منه مساعدتك في صياغة اعتذار ثم تعتذر لصديقك، تتدرب على بدء محادثة ثم تبدأها مع إنسان، أو تفهم مشاعرك ثم تناقشها مع شخص تثق فيه.
هنا تخدم التقنية العلاقة.
لكن إذا حدث العكس… كلما حدث خلاف انسحبت إلى الـAI، وكلما شعرت بالوحدة اخترته بدل الاتصال بصديق، وكلما احتجت إلى قرار حساس اكتفيت به، وكلما تعرضت لرفض عدت إلى عالم لا يرفضك؛ فهنا لم يعد جسرًا، لقد أصبح ملجأً من البشر.
والجسر يأخذك إلى الضفة الأخرى، أما الملجأ فقد يجعلك لا تغادر مكانك.
12- كيف نحافظ على عضلات العلاقات؟
ليس الحل أن نلقي الهواتف في البحر، ولا أن نطالب الشباب بالعودة إلى زمن لم يعيشوه؛ الذكاء الاصطناعي سيبقى معنا، وسيصبح على الأرجح أكثر قدرة على محاكاة الصوت، والشخصية والذاكرة والتفاعل.
لذلك فالمطلوب ليس فقط أن نتعلم كيف نستخدم AI، بل أن نتعلم أيضًا: كيف نبقى بشرًا ونحن نستخدمه؟
تعمد أن تتحدث إلى الناس، اتصل بدل أن ترسل رسالة أحيانًا، اجلس مع صديق دون هاتف على الطاولة، ولا تهرب من كل خلاف.
تدرب على قول: أنا آسف، وتدرب على سماع: لا. وإذا اختلف معك إنسان، فلا تعتبر الاختلاف دليلًا تلقائيًا على أن العلاقة «سامة»، وإذا أساء شخص فهمك فحاول أن تشرح مرة أخرى قبل أن تستبدله.
وإذا كنت والدًا، فلا تجعل بيتك المكان الذي يحتاج فيه الابن إلى إعداد خطاب دفاع قبل أن يتكلم، وإذا كنت شابًا فلا تجعل راحتك هي المعيار الوحيد للعلاقة الجيدة.
فبعض أجمل العلاقات في حياتنا لم تكن دائمًا أكثرها راحة… كانت أكثرها نموًا.
13- الإسلام لا يريد إنسانًا منفصلًا عن الناس:
الإنسان في التصور الإسلامي ليس فردًا يعيش وحده ثم يؤدي بعض العبادات الفردية؛ هو ابن وأخ وصديق وجار وزوج وأب وأم، وجزء كبير من الأخلاق لا يمكن أن يظهر أصلًا إلا في وجود الآخرين.
كيف ستتعلم الحلم إذا لم يغضبك أحد؟ وكيف تتعلم العفو إذا لم يخطئ في حقك أحد؟ وكيف تتعلم الإيثار إذا لم ينافسك أحد على شيء تحبه؟ وكيف تتعلم الصبر على الناس إذا صنعت لنفسك عالمًا لا يوجد فيه إلا من يوافقك؟
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات: 13].
وقال النبي ﷺ: «المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أعظم أجرًا من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم. (رواه الترمذي وابن ماجه)
تأمل: يخالط الناس… ويصبر.
فالاحتكاك ليس دائمًا عطلًا في العلاقات؛ أحيانًا هو المعمل الذي تتكون فيه الشخصية.
14- لا تجعلوا العلاقة الإنسانية تبدو منتجًا رديئًا!
أخشى أن نقع في مقارنة ظالمة؛ نقول: الـAI يرد فورًا… وصديقي يتأخر، الـAI يسمعني… وزوجي يمل، الـAI يعرف ماذا يقول… وأمي أحيانًا لا تفهمني.
لكننا نقارن هنا بين شيئين مختلفين؛ الآلة مصممة لكي تقدم لك استجابة، أما الإنسان… فيشاركك حياته.
قد لا يجد الكلمة المثالية، لكنه قد يقود ساعتين ليصل إليك، وقد لا يقول: «أنا أتفهم مشاعرك» بالصياغة المثالية… لكنه يجلس بجوارك في المستشفى طوال الليل.
وقد ينسى الرد على رسالتك… لكنه يتذكر بعد عشر سنوات اليوم الذي مات فيه أبوك.
الآلة تستطيع أن تحاكي الاهتمام بكفاءة مذهلة؛ لكن الإنسان يستطيع أن يدفع ثمن اهتمامه.
وهذه مسافة هائلة بين الاثنين.
15- فهل فعلًا نفقد عضلات العلاقات؟
الإجابة العلمية المنضبطة حتى الآن: ليس لدينا ما يسمح بأن نقول إن استخدام الذكاء الاصطناعي يؤدي حتمًا إلى ضمور العلاقات أو الذكاء العاطفي.
والأبحاث ما تزال في بدايتها، لكن لدينا ما يكفي لنسأل بجدية عن أثر الإزاحة، والاعتماد العاطفي، والعلاقة منخفضة الاحتكاك، خصوصًا لدى الأشخاص الأكثر وحدة أو هشاشة اجتماعية.
لذلك لا أخاف من شاب يستخدم AI، ولا حتى من شاب يقول: أنا بحب أتكلم معاه.
السؤال الذي يقلقني أكثر هو: هل ما زال يستطيع أن يتكلم مع البشر؟
هل يحتمل اختلافهم؟ هل يستطيع أن يسمع منهم «لا»؟ هل يعرف كيف يعتذر ويصالح وينتظر؟ هل يعرف كيف يعطي كما يأخذ؟ وكيف يحب إنسانًا لم يصممه بنفسه؟
إذا بقيت هذه العضلات قوية، فلتكن التكنولوجيا أداة إضافية في حياته. أما إذا بدأت تضمر… فالمشكلة ليست أن الآلة أصبحت أكثر إنسانية؛ المشكلة أن الإنسان بدأ يطلب من علاقاته أن تصبح… أقل إنسانية.
أهم المصادر:
1- Common Sense Media. (2025). Talk, Trust, and Trade-Offs: How and Why Teens Use AI Companions.
حول حجم استخدام المراهقين للرفقاء الاصطناعيين، وأسباب الاستخدام، وموقع العلاقات البشرية مقارنة بهم.
حول استخدام الأطفال والشباب للذكاء الاصطناعي العلاقاتي ومخاطره.
المواد والإرشادات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي ورفاه المراهقين، والحاجة إلى معرفة الذكاء الاصطناعي AI Literacy.
شيري تورك: أبحاثها وكتبها حول التكنولوجيا والمحادثة والتعاطف والعلاقات الإنسانية والحميمية الاصطناعية.
دراسة استطلاعية على طلاب جامعيين حول استخدام AI companions والوحدة والاعتماد العاطفي ومهارات التواصل؛ وتُقرأ نتائجها بوصفها ارتباطات لا دليلًا نهائيًا على السببية.
** لقراءة متعمقة في الموضوع، ترقبوا صدور الكتاب الجديد للدكتور أكرم رضا:
“الشريك الثالث.. إدارة الذكاء الصناعي لحياتنا التربوية والزوجية والعلاقات”



