هل يهدد الذكاء الاصطناعي زواج أبنائنا قبل أن يبدأ؟

شاب منشغل بهاتفه يحيط به طيف مضيء يرمز للذكاء الاصطناعي، بينما تجلس أمامه خطيبته المحجبة في لقاء عائلي، تعبيرًا عن تهديد الذكاء الاصطناعي لزواج الأبناء.
شاب منشغل بهاتفه يحيط به طيف مضيء يرمز للذكاء الاصطناعي، بينما تجلس أمامه خطيبته المحجبة في لقاء عائلي، تعبيرًا عن تهديد الذكاء الاصطناعي لزواج الأبناء.

هل يهدد الذكاء الاصطناعي زواج أبنائنا قبل أن يبدأ؟

هل يهدد الذكاء الاصطناعي زواج أبنائنا قبل أن يبدأ؟ قد يبدو السؤال مبالغًا فيه، لكنه يفرض نفسه حين نتخيل شابًا اعتاد لأشهر محادثةً تجيبه فورًا ولا تعترض ولا تتعب، ثم يجلس أمام خطيبته الإنسانة الحقيقية فيكتشف أن الحضور الإنساني يحتاج مجهودًا لم يتعوّد عليه. وعلى الجانب الآخر فتاة أَلِفت كلمات منتقاة بعناية وإنصاتًا كاملًا، فإذا بخطيبها الإنسان اذلي ربما يحبها لكنه يتلعثم ولا يقول الجملة المناسبة في اللحظة المناسبة.

والمسألة ليست أن الآلة ستمنع الشباب من الزواج، بل قد تعيد تشكيل توقعاتهم عن الحب والشريك والعلاقة دون أن ينتبهوا..

في هذا المقال نقرأ ما تقوله الدراسات الحديثة، ونعود إلى معنى “المودة والرحمة” في القرآن الكريم، ونتعلم كيف نؤهل أبناءنا لعلاقة بين إنسانين حقيقيين، لا علاقة مصممة حسب الطلب.

من هنا يبدأ سؤال جديد في برامج التأهيل للزواج: هل يمكن أن يدخل الشاب والفتاة إلى الزواج، وقد أعاد الذكاء الاصطناعي – دون أن ينتبها – تشكيل توقعاتهما عن الحب والشريك والعلاقة؟

1- الزواج لم يُصمم ليكون سهلًا!

يصف القرآن الكريم العلاقة الزوجية بثلاث كلمات دقيقة جدًا: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: 21].

لاحظ أن الآية لم تقل: «لتستريحوا منها فورًا»، بل ﴿لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾؛ والسكن حالة تُبنى، والمودة والرحمة كلمتان تفترضان وجود طرف آخر له احتياجاته ونقصه، يحتاج منك مودة ورحمة لأنه ليس كاملًا.

وهذا بالضبط ما يجعل الزواج مختلفًا جذريًا عن «العلاقة» مع تطبيق؛ فالزواج لا يقوم على غياب الاحتكاك، وإنما على وجود احتكاك نتعلم كيف نديره بالمودة والرحمة.

ومن هنا تبدأ المشكلة قبل الزواج أصلًا؛ فما الذي يحدث إذا دخل شاب أو فتاة مرحلة الاختيار، وقد اعتاد كل منهما علاقة يستطيع فيها أن يطلب: كن أكثر حنانًا، لا تنتقدني الآن، استمع فقط، أعد صياغة كلامك، أو حتى… غيّر شخصيتك؟

2- من فارس الأحلام إلى فارس حسب الطلب:

لطالما دخل الشباب والفتيات الزواج بصور مثالية؛ شاب يتخيل زوجة لا تغضب، وفتاة تتخيل زوجًا يفهمها قبل أن تتكلم. وهذه ليست مشكلة اخترعها الذكاء الاصطناعي.

لكن الجديد أنه لم يعد يقدم لنا فقط صورة للشريك المثالي؛ أصبح يستطيع أن يقدم محاكاة له.

رفيق تختار شخصيته، وطريقته في الكلام، ومستوى حنانه، ويجيب حين تريد، ويستمع كما تريد، ولا يأتيك في نهاية الحوار بمشكلاته هو!

انتقلنا إذن من «فارس الأحلام» الذي نتخيله… إلى فارس يمكن تعديله من الإعدادات.

وهنا لا أخشى فقط أن يتعلق الشاب أو الفتاة بالآلة، وإنما أن يحمل كل منهما معه إلى الاختيار الزوجي معيارًا غير إنساني للمقارنة.

فتصبح الفتاة التي تختلف معك «صعبة»، والشاب الذي لا يفهم الإشارة من أول مرة «غير متوافق معي»، والخاطب الذي يحتاج وقتًا ليفكر «باردًا»، والفتاة التي تقول لك «لا» في بعض الأمور «لا تقدر احتياجاتي».

وربما لا يكون العيب فيهم… ربما أصبح المعيار نفسه غير عادل.

3- هل أصبح الشباب يرفضون الزواج بسبب الـAI؟

هنا ينبغي أن نكون حذرين؛ فمن المغري أن نقول: جيل كامل لم يعد يريد الزواج لأن الروبوتات أخذت مكان البشر. لكن العلم لا يسمح لنا بهذا الكلام حتى الآن.

ليس لدينا دليل قوي يقول إن استخدام الذكاء الاصطناعي هو الذي تسبب في عزوف الشباب عمومًا عن الزواج، والتغير في المواقف من الزواج أقدم من ثورة الذكاء الاصطناعي، وتتداخل فيه عوامل اقتصادية وثقافية ونفسية واجتماعية كثيرة.

لكن السؤال الأهم والأكثر واقعية هو: هل يمكن للـAI أن يغير توقعات بعض الشباب عن العلاقة قبل أن يدخلوا الزواج؟

لدينا إشارات تستحق التفكير؛ فمراجعة منهجية حديثة لـ23 دراسة عن الرفقاء الرومانسيين الاصطناعيين وجدت أن هذه العلاقات يمكن أن توفر لبعض المستخدمين شعورًا بالاتصال والدعم والألفة، لكنها قد تحمل أيضًا مخاطر الاعتماد الزائد والانسحاب من العلاقات الإنسانية وإهمالها.

وفي دراسة حديثة صغيرة جدًا على شباب في مرحلة الرشد الناشئ كانت الصورة مزدوجة بصورة لافتة؛ بعض المشاركين قالوا إن العلاقة الاصطناعية علمتهم مهارات اجتماعية ورفعت معاييرهم في اختيار الشريك، بينما قال آخرون إنها قللت اهتمامهم بتكوين علاقات عاطفية مع البشر.

إذن القضية ليست: AI ضد الزواج.

القضية: أي نوع من الرجال والنساء قد نصبحه إذا تعلمنا الحب في علاقة مصممة حسب الطلب؟

4- ماذا يتعلم الشاب عن الحب؟

هذا عندي هو السؤال الأخطر.

إذا اعتدت شخصًا يقول الكلام المناسب دائمًا… ماذا يحدث عندما تتزوج إنسانًا لا يجيد التعبير؟

وإذا اعتدت من يستمع إليك بلا تعب… ماذا يحدث عندما يقول شريكك: أنا تعبان النهارده، ممكن نتكلم بكرة؟

وإذا اعتدت علاقة تتمحور حول احتياجاتك… ماذا يحدث عندما يحتاج الطرف الآخر منك شيئًا في اللحظة نفسها التي تحتاج أنت فيها إليه؟

وإذا اعتدت تعديل الشخصية… ماذا تفعل بالشخصية التي لا يمكن تعديلها؟

هنا يظهر فارق جوهري بين التوافق والتخصيص؛ فنحن نبحث في الزواج عن شخص نتوافق معه، لا عن شخص نصممه.

التوافق يقول: بيننا مساحة مشتركة كبيرة، وفيما بقي من اختلاف نستطيع أن نتفاهم ونتنازل ونتعايش. أما التخصيص فيقول: العلاقة الجيدة هي التي تستجيب لتفضيلاتي بالطريقة التي أريدها.

والفرق بين الاثنين قد يكون هو الفرق بين إنسان مستعد للزواج، وإنسان يبحث عن «منتج زوجي» بالمواصفات.

5- الزواج ليس  Prompt:

يمكنك أن تكتب للذكاء الاصطناعي: أعد صياغة الإجابة بنبرة أكثر تعاطفًا… فيعيدها، كن أكثر رومانسية… فيصبح أكثر رومانسية، اختصر… فيختصر، لا أريد نصائح الآن، فقط استمع إليَّ… فيستمع!

جرّب هذه الأوامر مع خطيبتك بعد الزواج! لن تكون النتائج مضمونة إطلاقًا، وهذا ليس عيبًا فيها؛ إنها ليست برنامجًا، وكذلك زوجك.

الزواج ليس Prompt تكتبه جيدًا فتحصل على الاستجابة المناسبة.

الزواج لقاء إرادتين، وتاريخين، وأسرتين، وشخصيتين، واحتياجين قد يتعارضان، ومزاجين قد لا يتوافقان في مساء واحد.

والنضج الزوجي ليس أن تجد شخصًا يوافقك دائمًا… بل أن تتعلم كيف تحب إنسانًا له إرادة مستقلة عن إرادتك.

6- هل نحن نؤهل أبناءنا للزواج… أم للاختيار فقط؟

وهنا أظن أن القضية أكبر من الذكاء الاصطناعي نفسه.

كثير من برامج التأهيل، وحديث الأسر مع أبنائها، يركز على سؤال: كيف أختار؟ ما الصفات؟ ما العلامات الحمراء؟ ما الأسئلة التي أسألها؟ كيف أعرف أنه مناسب؟

وهذه أسئلة مهمة جدًا.

لكن هناك سؤالًا آخر لا يقل أهمية: هل أنا نفسي أصبحت مناسبًا للزواج؟

هل أستطيع أن أسمع رأيًا لا يعجبني دون أن أشعر أن صاحبه لا يفهمني؟ هل أستطيع أن أؤجل احتياجي قليلًا لأن الطرف الآخر متعب؟ هل أفرق بين «هذا الشخص غير مناسب لي» و«هذا الشخص مختلف عني»؟

هل أستطيع أن أختلف دون أن أهدد العلاقة؟ وأن أقول: أنا أخطأت؟ وأن أسمع «لا»؟ وأن أتفاوض؟ وأن أتنازل أحيانًا دون أن أشعر أن كرامتي أُهدرت؟

هذه كلها ليست تفاصيل تحدث بعد الزواج؛ إنها عضلات ينبغي أن ندخل بها الزواج.

وهنا يصبح أثر العلاقة المريحة جدًا مع الذكاء الاصطناعي جديرًا بالانتباه؛ ليس لأنها ستمنعك بالضرورة من الزواج، ولكن لأنها قد تخفي عنك بعض العضلات التي لم تتدرب عليها بعد.

7- الرقم الذي يستحق التوقف (1من كل 7):

في دراسة نُشرت عن معهد Wheatley بجامعة بريغهام يونغ (BYU) بالتعاون مع Institute for Family Studies بعنوان: هل يخونك شريكك مع شريك ذكاء اصطناعي؟ Is your sweetheart cheating on you with an AI partner?  (الدراسة هنا: BYU / Deseret News – Secret Soulmates Study)

وشملت 2431 شابًا وشابة أمريكيين بين 18 و30 عامًا، من الشباب الموجودين بالفعل في علاقات جادة – مواعدة أو خطوبة أو زواج – قال نحو 15%، أي قرابة 1 من كل 7، إنهم يتفاعلون بانتظام مع ذكاء اصطناعي يحاكي شريكًا عاطفيًا ملتزمًا.

وهنا يجب أن نتذكر أن الدراسة أجريت في سياق اجتماعي وثقافي يختلف عن سياقنا، وأن «العلاقة الجادة» في العينة لا تعني بالضرورة زواجًا أو خطبة بالمفهوم الشرعي.

وما يهمني أن ننتبه إلى ظاهرة أن الشاب قبل الزواج قد يدخل إلى مرحلة التعارف أو الخطبة وهو يحمل بالفعل خبرة عاطفية مع رفيق اصطناعي.

وعندها لا يبدأ التعارف من الصفر كما نتصور.

هناك طرف آخر غير ظاهر يجلس في الخلفية: أثر التوقعات التي تعلمها من العلاقة السابقة مع الآلة.

المشكلة هنا: بمن تقارن خطيبك أو مخطوبتك؟

إذا كانت الفتاة تقارن الخاطب بإنسان آخر، فهي على الأقل تقارن إنسانًا بإنسان؛ كلاهما يتعب ويخطئ وله احتياجات؛ لكن عندما نقارن إنسانًا حقيقيًا بنظام صُمم لكي يستجيب، فالمقارنة مختلة من أصلها.

قد تقول: خطيبي لا يسمعني مثل الـAI….طبيعي؛ فالـAI ليس لديه أم مريضة، ولا امتحان غدًا، ولا ضغط في العمل، ولا خوف من أن يفشل الزواج، ولا يحتاج منك شيئًا في المقابل.

وهذا لا يعني أن نقبل خاطبًا لا يسمع، أو شريكًا أنانيًا، أو علاقة مؤذية بحجة أن «البشر ناقصون»؛ التأهيل الجيد يعلمنا أيضًا متى يكون الاختلاف طبيعيًا، ومتى يكون السلوك إنذارًا حقيقيًا.

لكن لا تجعل المحاكاة المثالية هي الحكم على الإنسان الحقيقي.

8- حين يتحول “الملاذ” إلى عادة تهدم الزواج من الداخل:

في دراسة Zenodo على 1200 طالب جامعي، وصف باحثون هذه الظاهرة بمصطلح (فرضية الملاذ الخوارزمي)؛ الشخص يهرب إلى الآلة تجنبًا لتعقيد العلاقات البشرية، لكن هذا الهروب نفسه يُضعف بالتحديد المهارة التي يحتاجها ليبني علاقة بشرية ناجحة.

وفي سياق الخطبة والزواج المبكر، هذا الملاذ يتحول من عادة فردية إلى خطر مباشر: فبدل أن يذهب الخاطب لخطيبته حين يضيق صدره، أو تذهب الزوجة الجديدة لزوجها حين تحتاج طمأنة، يذهب كل طرف إلى شاشته سرًا، فيفرغ توتره هناك، ويعود إلى شريكه فارغًا من الدافع للحديث والمصالحة، بل وربما حاملاً سرًا لا يستطيع البوح به.

وهذا بالضبط ما تصفه دراسة جامعة ولاية أريزونا بمصطلح “الإزاحة العلائقية” Relational displacement: حين يستبدل الإنسان محادثة إنسانية صعبة بمحادثة آلية مريحة، فإنه يفوّت فرصة تعلّم مهارة حل النزاع والتفاوض والاعتذار، وهي بالضبط المهارات التي يُبنى عليها أي زواج ناجح منذ أولى سنواته.

9- “السر”.. والتدريب على الخيانة:

لكن الرقم الأخطر ليس (1 من 7)، بل ما يليه؛ حيث قال 69% من هؤلاء المستخدمين إن من المهم لديهم “بدرجة كبيرة أو كاملة” ألا يعرف شريكهم الحقيقي هذا الاستخدام والمدى الكامل الذي وصل اليه.

وأفادت الدراسة أن أكثر من نصف الشباب المرتبطين عاطفيًا الذين يستخدمون هذه التطبيقات إما يُخفونه تمامًا عن شريكهم، أو يكشفون جزءًا يسيرًا منه فقط. وهذا ليس تفصيلاً هامشيًا، بل هو جوهر المشكلة: علاقة سرّية ببديل اصطناعي، تنشأ بالتوازي مع علاقة حقيقية يُفترض أن تقوم على الصدق والشفافية.

وهذا التناقض صادم بشكل خاص حين نقارنه بروح الخطبة والزواج في ديننا، القائمة أصلاً على العلانية والإشهار لا السرية: «أعلنوا هذا النكاح» (رواه أحمد) فحين تنشأ علاقة موازية مبنية على الإخفاء، فإنها تناقض جوهر ما يُفترض أن يقوم عليه الارتباط الشرعي من أوله.

وهو أيضا تدريب غير منظم على ممارسة الخيانة بدرجاتها بعد الزواج.

10- لا يَفْرَكْ مؤمن مؤمنة:

ومن أجمل ما يربي الإنسان على واقعية النظر إلى شريك الحياة قول النبي ﷺ: «لا يَفْرَكْ مؤمن مؤمنة، إن كره منها خُلُقًا رضي منها آخر» رواه مسلم.

ليس معنى الحديث أن يقبل الإنسان الظلم أو الأذى، وإنما يربي العين ألا تختصر إنسانًا كاملًا في صفة واحدة لم تعجبها.

وهذه مهارة نحتاجها من مرحلة الاختيار نفسها؛ لأن ثقافة التخصيص تدربنا على العكس: لم تعجبك خاصية؟ غيّرها. لم يناسبك الرد؟ أعد توليده. لم تعجبك الشخصية؟ اختر شخصية أخرى.

أما الزواج فيقول لك: أمامك إنسان كامل؛ مزايا ونقائص، قوة وضعف، أشياء تحبها وأخرى تحتاج إلى احتمالها.

وهنا تأتي الرحمة.

فالرحمة لا تظهر أصلًا أمام الكامل؛ تظهر أمام إنسان يتعب وينسى ويضعف ويخطئ، وكذلك أنت.

11- قبل أن تسأل: هل يصلح لي؟ اسأل: هل أصلح أنا؟

في التأهيل للزواج نحتاج إلى نقل جزء من الاهتمام من فحص الآخر إلى فحص النفس.

قبل أن تضع قائمة مواصفات زوجة المستقبل، اسأل: ماذا سأقدم أنا لهذه الزوجة؟

وقبل أن تسألي: هل هو قادر على احتوائي؟ اسألي أيضًا: هل أستطيع احتواء إنسان آخر عندما يكون هو المتعب؟

وقبل أن تسأل: هل ستفهمني؟ اسأل: هل تعلمت أن أشرح نفسي؟ وقبل أن تقولي: أريده مستمعًا جيدًا، اسألي: هل أجيد أنا الاستماع؟

وقبل السؤال الشهير: هل سيسعدني؟

هناك سؤال ربما يكون أنضج قليلًا: هل أمتلك الأدوات التي تساعدنا نحن الاثنين على بناء حياة سعيدة؟

فالزواج ليس اختيار أفضل شخص في السوق… ثم انتظار أن يعمل المنتج كما وُعدت!

12- وهنا يمكن أن يساعدنا الـAI بدل أن يفسد استعدادنا:

وهذه المفارقة التي لا أحب أن نختم المقال من دونها؛ الأداة نفسها التي قد تصنع توقعات غير واقعية، يمكن أن نستخدمها لكشف هذه التوقعات.

بدل أن تسأل الذكاء الاصطناعي: ما مواصفات الزوجة المثالية؟ قل له: اسألني عشرة أسئلة تكشف توقعاتي غير الواقعية عن الزوجة.

وبدل أن تقولي: كيف أعرف أن خطيبي هو الشخص المناسب؟ يمكنك أن تقولي: ساعدني على التفريق بين اختلاف طبيعي في الشخصية وبين اختلاف جوهري في القيم والأهداف.

واسأله: أعطني موقفًا افتراضيًا عن خلاف مالي بين زوجين، ثم اطلب مني أن أتصرف، وبعدها ناقش معي نقاط القوة والضعف في إجابتي.

أو: ضع أمامي عشرة مواقف زوجية واقعية؛ تدخل الأهل، اختلاف الإنفاق، وقت الهاتف، توزيع المسؤوليات، الغيرة، الخصوصية، العمل، الإنجاب، الخلاف الديني أو التربوي… واسألني كيف سأتعامل معها.

بل يمكن أن يستخدمه الخاطبان – في الحدود المناسبة لفترة الخطبة – لتوليد أسئلة حقيقية للنقاش بدل أسئلة المقابلات المحفوظة: ماذا يعني المال لكل منا؟ كيف نتصور علاقة الزوجين بالأهل؟ ماذا نفعل عندما يغضب أحدنا؟ ما حدود الخصوصية؟ ما تصورنا للأدوار والمسؤوليات؟

هنا لا يختار الـAI الشريك لك… لكنه يساعدك على أن تعرف نفسك قبل أن تختاره.

وهذه وظيفة مختلفة تمامًا.

13- أربعة أشياء أتمنى أن يدخل بها أبناؤنا الزواج:

أولها: توقعات بشرية؛ لا تنتظر إنسانًا يعمل وفق الطلب، ولا تسمِّ كل اختلاف «عدم توافق».

وثانيها: عضلات علاقة مدرَّبة؛ الاستماع، والتفاوض، والاعتذار، واحتمال كلمة «لا»، والقدرة على إصلاح الخلاف بدل الهروب منه.

وثالثها: معيار واضح للاختيار؛ الدين والخلق والقيم والتوافق والقدرة على تحمل المسؤولية، لا مجرد الإحساس اللحظي بأن «هذا الشخص يفهمني».

ورابعها: علاقة صحيحة بالتكنولوجيا؛ AI أداة تساعدك على التفكير، وليس حبيبًا تتدرب معه على نموذج غير واقعي للحب، ولا مستشارًا يختار لك زوجك، ولا سلطة تمنحه قرارًا من أخطر قرارات حياتك.

14- قبل أن يدخلوا البيت:

الذكاء الاصطناعي لن يمنع أبناءنا من الزواج بالضرورة، وربما يساعدهم يومًا على أن يستعدوا له بصورة أفضل.

لكن الخطر يبدأ إذا دخل الشاب الزواج وقد تعلّم أن العلاقة الجيدة هي التي تتمحور حوله، ودخلت الفتاة وهي تنتظر رجلًا يعرف دائمًا الجملة الصحيحة، ودخل الاثنان وهما يظنان أن الاختلاف دليل خطأ، وأن الراحة الدائمة دليل حب.

فالزواج الحقيقي ليس كذلك.

إنه إنسان أمام إنسان؛ لا تستطيع أن تضغط له «إعادة توليد»، ولا أن تغير درجة عاطفته من الإعدادات، ولا أن تغلقه عندما يزعجك ثم تفتحه عندما تحتاج إليه.

ولهذا ربما يكون أهم سؤال في التأهيل للزواج في عصر الذكاء الاصطناعي ليس:

هل وجدت الشخص المناسب؟

بل سؤالًا يسبقه:

هل تعلمت أنت كيف تكون إنسانًا مناسبًا لعلاقة حقيقية؟

فالـAI يستطيع أن يساعد أبناءنا على اختيار كلمات أجمل، وفهم أنفسهم أكثر، والتدرب على أسئلة أفضل… لكن علينا نحن أن نعلمهم شيئًا لا ينبغي أن تسرقه منهم سهولة الآلة:

أن الحب ليس أن تجد شخصًا مصممًا من أجلك… وإنما أن تختار إنسانًا، ثم تتعلم كيف تبني معه المودة والرحمة.

أهم المصادر:

BYU / Deseret News – Secret Soulmates Study

دراسة بعنوان: هل يخونك حبيبك مع شريك ذكاء اصطناعي؟ “رفقاء الروح السريون” تكشف أن الشباب في علاقات عاطفية قد يكون لديهم شريك ذكاء اصطناعي على الجانب الآخر من العلاقة. دراسة على شباب بين 18 و30 عامًا، ومن نتائجها انتشار التفاعل المنتظم مع رفقاء اصطناعيين رومانسيين بين بعض الموجودين في علاقات حقيقية.

Is your sweetheart cheating on you with an AI partner?

‘Secret Soulmates’ study finds young adults in relationships may have AI love interest on the side.

Zenodo – AI Companion Use, Loneliness & Communication Skills

دراسة بعنوان: أثر استخدام رفيق الذكاء الاصطناعي على الشعور بالوحدة، والارتباط العاطفي، ومهارات التواصل بين الأشخاص لدى الشباب

https://www.sciencedirect.com/science/article/pii/S2451958825001307

Potential and pitfalls of romantic Artificial Intelligence (AI) companions: A systematic review.

مراجعة منهجية لـ23 دراسة حول الرفقاء الرومانسيين الاصطناعيين، وما يرتبط بهم من دعم وألفة من جهة، ومخاطر الاعتماد والانسحاب من العلاقات الإنسانية من جهة أخرى.

https://www.researchgate.net/publication/414315935_The_Arc_of_Artificial_Romance_How_Emerging_Adults_Experience_Romantic_Relationships_with_AI_Companions

The Arc of Artificial Romance: How Emerging Adults Experience Romantic Relationships with AI Companions

دراسة نوعية حديثة على مستخدمين من الشباب في مرحلة الرشد الناشئ، وتعرض تجارب متباينة للعلاقات الرومانسية مع الذكاء الاصطناعي.

 

** لقراءة متعمقة في الموضوع، ترقبوا صدور الكتاب الجديد للدكتور أكرم رضا:

“الشريك الثالث.. إدارة الذكاء الصناعي لحياتنا التربوية والزوجية والعلاقات”

اترك تعليقاً