إحياء فقه القلوب.. الإحياء الثالث.. سلسلة كتب جديدة

إحياء فقه القلوب.. الإحياء الثالث (سلسلة كتب جديدة)

أردت أن تكون هذه الدروس هي الإحياء الثالث، يلحق بسابقيه على طريق إخراج أمة الإسلام خير أمة أخرجت للناس.

يختلف عن سابقيه في أنه لم يؤسس، وإنما بنى على تراث من سبق…

كان الإحياء الأول «إحياء علوم الدين» لأبي حامد الغزالي منارة للأمة، تدلها على معنى العلم الصحيح وطرقه ووسائله، فكان دليلاً تربويًّا أحدث يقظة ووعيًا وغيَّر الكثير من الأفكار.

وكان الإحياء الثاني «إحياء فقه الدعوة» لمحمد أحمد الراشد، بعد حوالي ثمانية قرون والذي بناه على مختارات رائعة لتراث السلف.

فحشد لنا كوكبة منها كان أول معرفتنا بها عن طريقه، ولا زال العطاء مستمر بعد (المنطلق والعوائق والرقائق والمسار).

ثم هذا الإحياء الثالث «إحياء فقه القلوب» لم يأخذ من سابقيه إلا الاسم، ويكفيه شرف الانتساب، وكانت فكرته هي العودة إلى القواعد -ننطلق منها-، عودة غير متشنجة، تدرك أهمية التراث، ولكن تنظر إليه من خلال العصر..

فقد يكون الإحياء الأول جاء في زمن علا فيه صوت المادة، والانكباب على الدنيا؛ فدعا إلى الزهد فيها، ومحاولة القراءة الجديدة لعلوم الدين من خلال منظومة تربوية، تبدأ بالعودة إلى الفقه بمفهوم القرآن فتعيد له الحياة بعد أن كاد أن يدفن في دواوين الفقهاء، وتمر على النفس؛ فتسمو بها إلى آفاقها المرجوة.

وكان الإحياء الثاني استحضارًا لتجارب السابقين في الدعوة، لتكون عجلات قوية تسير عليها الصحوة إلى طريق اليقظة والنهضة.

فإن هذا الإحياء الثالث يعود بنا إلى النقطة الأولى حيث القرآن يتنزل وحيث الرسول ﷺ يتكلم ويعمل.. فيبحث هذا الإحياء عن رجال فهموا هذا الوحي حيث أخذوه من منابعه، وسجلوا هذا الفهم في مؤلفاتهم بلغة عصرهم ففهمه أهل تلك العصور، وقاموا به عملا وتطبيقا؛ فانضبطت قلوبهم على دقات متناغمة مع القرآن والسنة… فإذا بهذا الإحياء يجد في طريقه دواوين ابن القيم وابن رجب والمحاسبي وابن أبي الدنيا والنووي وغيرهم.

ويجد أن هذه الدواوين لا زالت بين أيدينا، بل وبطبعات أفضل، وتحقيقات أعمق، وتدقيقات أوفى، ورغم ذلك لم تنضبط القلوب ولم تنطلق العقول، بل لا زالت الانحرافات تزداد وتتوغل حتى كادت تملأ حياتنا.

وعدت إلى القُراء أسأل، وإلى العاكفين عليها أستفسر؛ فوجدت أعجب العجب.

وجدت أن لغة هذه الكتب قد ابتعدت عنا عصورًا طويلة، وكأننا أصبحنا نتحدث لغة غير العربية.

وجدت أن الشباب قد انصرفوا عن كتب السلف إلى الترجمات الوافرة لكتب الأمم الأخرى حول علم النفس، وإدارة الحياة، وإدارة الذات.

ووجدت مفاجئة أننا نحتاج ترجمة موازية لكتب السلف إلى لغة عصرنا.. حتى نفهمها!!

قال لي صديقي الشاب: إني كلما قرأت تلك الكتب أتعثر في مباحث اللغة.. وعلوم الحديث.. ودقائق المسائل.. وحوارات الخلاف.. حتى أكاد في النهاية لا أخرج بشيء.

وقال آخر: إني أسير مع الأثر صفحات، يعجبني أحيانًا لفظه؛ فأجده في النهاية قد أصابته قذيفة التحقيق فأودت به إلى آبار التضعيف، أو الوضع، بل وأشم في كثير من الأقوال غير المحققة رائحة إسرائيليات، تنفر منها طباع من تعود النقاء القرآني.

وكثيرًا ما تصدمني ممارسات تخرج عن وسطية ديننا ويسره الذي جاء به ليرفع عنا الحرج، فإذا بهذه الممارسات تدفعنا دفعا إلى الحرج والمشقة.

ثم في النهاية أجد حلولًا لمشكلات عصور مضت وخططًا لحياة سبقت.. حياة ليست على أي حال كحياتنا لا في مراكبها ولا ملابسها ولا حركتها، بل ولا حتى في طاعتها ولا معاصيها، بل وأكاد أجزم أنه حتى شياطين عصرنا تختلف كل الاختلاف عن شياطين تلك العصور.

وعندما أهم بالبحث عن الدرر تتسع بنا البحور وتعمق تحتنا القيعان، فلا أجد إلا مصطلحات تحتاج شروحًا، وسياقات يلزمها تدريب ودراية…

فما الحل؟

قال أحدهم: الحقيقة أني أجد في كثير من الترجمات المنقولة عن غيرنا الكثير من الفائدة، فيكفي أنها تضع خططًا لعصرنا.

وتذكرت السلسلة الذهبية لمنهاج القاصدين حيث اختصر الإمام ابن الجوزي كتاب (إحياء علوم الدين) الخمس مجلدات في كتابه (منهاج القاصدين) في مجلدين.

ثم جاء الإمام ابن قدامة، ليختصر المختصر في كتاب (مختصر منهاج القاصدين) في مجلد واحد فجاء خلاصة الخلاصة، وتدقيق التدقيق.

فمن منا لا يعرف «مختصر منهاج القاصدين»؟، ومن منا لم يدرسه في بداية سلوك الطريق إلى الله…؟

وظل هذا المختصر في النهاية رسالة تعريف رائعة بإحياء علوم الدين، بل هو في النهاية أصبح كتابا مستقل.

ثم تذكرت محاولة الشيخ سعيد حوى – يرحمه الله في «المستخلص إلى تزكية الأنفس»، بل ومحمد أحمد الراشد في «تهذيب مدارج السالكين» و«غياث الأمم»؛ فرأيت أعلامًا سبقتني، أردت اتباعها، ورايات رُفعت يحلو الجهد تحتها.

ليس مختصرا ولا تهذيبا وإنما إحياء…

إننا لا نقدم مختصرا لعلم السلف يهدف إلى تصغير الحجم واختزال الكم، ولا نقدم تهذيبا أو تحقيقا لا يختلف عن المختصر كثيرًا، وإنما نقدم إحياءً يعيد الروح إلى الكلمات لتسري الحياة في قلوب تحتاج الإحياء.

ابتسم صديقي، وقال: أراك تخالف نفسك؛ فقد قلت يومًا: إن طلاب العلم لا يصلح لهم المختصرات، لا بد من التدقيق في لغة القوم حتى يستقيم العود، ويشتد الساعد.

قلت لا أخالف، فهذا مجال، وذاك غيره..

إننا نقدم للمسلمين اليوم علومًا لا أقصد منها الامتناع عن الاطلاع على الإنتاج الأصلي، ولكنه إنتاج مواز، حاولت أن أضعه في قالب أقرب إلى لغة عصرنا، وذلك قد يكون بإعادة الصياغة وإعادة الترتيب، ورفع ما ليس من أصل الموضوع عن طريقهم.

  • فلا يحتاج المسلمون اليوم عشرات الأقوال في تفسير الآية الواحد لفهم المعنى القرآني.
  • ولا يحتاجون عشرات التخريجات للحديث الواحد، وخاصة إذا كان مرويًّا في البخاري ومسلم، أو أثبت صحته أحد العلماء.
  • وتركت ما صح وحسن من الأحاديث، أما ما تأكدت من ضعفه ناهيك عن وضعه، فلا يصح أن أتركه إلا ما ندر لأسباب فنية.
  • ومباحث اللغة العربية ليست الوسيلة المثلى للعودة إلى اللغة العربية، فكثير منها يحتاج معلمًا يشرحه.
  • وإني لأعجب للغة تدرس في القرن الواحد والعشرين بنفس أسلوب تدريس القرن الأول، وأصحاب اللغات حولنا يبتكرون عشرات الطرق لتعليم لغتهم.
  • ولا داعي لعرض جميع الأقوال في المسألة الواحدة، فإن كان ترجيح؛ فيكفي، ولقد تعلَّم الدعاة فقه الاختلاف كثيرًا، وأدركوا أنه لا إنكار عند الخلاف، والدليل هو الحجة.
  • وهل يهم الكثيرين اختلاف المخطوطات، وزيادة كلمة هنا، وكلمة هناك حتى تمتلئ الهوامش بعشرات الأرقام؛ فيظل القارئ يصعد رأسه ويخفضها، حتى يغشى عليه.
  • ولقد أنشأت المبالغات في السلوك والعبادة أجيالًا حائرة بين يسر الإسلام وتشدد تلك الأقوال، فلابد من النظر فيها بعين الوسطية مهما كان قائلها، فلا يتبع إلا الرسول ﷺ وقد جاء ميسرًا لا معسرًا.

بل إني رأيت شيئًا عجبًا أننا إذا رتبنا أقوال السلف بعد النبي ﷺ بحيث يأتي أقوال وسلوكيات الصحابة بعده ﷺ ثم التابعين فتابعيهم وهكذا.. فإنني أجد خطًّا بيانيًّا، ينخفض بنا إلى قاع التشدد والمبالغات، والخروج عن وسطية الإسلام؛ فنجد في القمة الرسول ﷺ والقرون الثلاثة الأولى، ثم يبدأ الانحدار نحو تشدد عجيب ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ [الحديد: 27].

.. فلذلك حذفت كثيرًا من الأقوال والحكايات بعد القرون الفاضلة الأولى؛ لبعدها عن دائرة الوسطية التي جاء بها الإسلام.

كانت هذه هي بعض الحواجز والعوائق التي رأيتها تقف في سبيل اطلاع الأجيال الجديدة من الدعاة على تراث السلف الذي يعتبر خير معبر إلى فهم القرآن والسنة، فبعدت الشقة جدًّا حتى كاد القرآن والحديث لا يفهمان، ويحتاجان إلى ترجمة.

وكانت هذه هي فكرة هذا الإحياء الثالث: (إحياء فقه القلوب) التي تقوم على إعادة القراءة في كتب السلف التربوية قراءة عصرية، تخلصها من معوقات فهمها لدعاة اليوم وتقربها إلى لغة الاحتياجات الواقعية للمسلمين، ولن أكون مجرد عارض للفكرة بقدر ما سأحاول التدخل الذي يثري النقاش حولها، وسوف أتناول في كل درس من دروس هذا الإحياء أحد المؤلفات التي أرى أنها تسهم في بناء هذه الدروس، ولتصبح كما قلنا في البدء إحياءً ثالثًا (إحياء فقه القلوب)..

صدر منها:

  • مفتاح الجنة (حتى لا ننسى أنفسنا)
  • خريطة الهدى (حتى نعبر الصراط)
  • حلاوة الإيمان (عندما يأمرنا الهوى بالطاعة!)
  • سددوا وقاربوا (الخطوات المباركة)
  • حوار حول العرش (ماذا يقول الملائكة؟)

اترك تعليقاً