لعب كبار!! كيف تنشأ فتنة طائفية من خلاف صغير؟
تقع حادثة صغيرة صباحًا وبحلول المساء يصبح لدينا فريقان يتبادلان الغضب والاتهامات.. هكذا يتحول خلاف عابر إلى فتنة طائفية في زمن مواقع التواصل الاجتماعي؛ فيديو مقتطع، وبوست غاضب، وهاشتاج يشعل النار، وتختفي الحقيقة وسط الضجيج، ويبقى السؤال الذي ننساه: ماذا حدث أصلًا؟ أحيانًا لا تبدو الحادثة طائفية بل نحن الذين نجعلها كذلك أو نحولها للطائفية وكأنه لعب كبار، وأحيانًا يقع ظلم حقيقي، فنوسّعه بدلًا من أن نحاصره في فاعله وننصف المظلوم.
في هذا المقال نروي قصة تلميذتين اختلفتا على باب مدرسة، وكيف تحول خلافهما الصغير إلى مقاطعة دينية كادت تمزق قلوب الصغار، ثم كيف أعادوا هم ما أفسده الكبار. ونتأمل كيف نحمي الوحدة الوطنية والمواطنة بقيم العدل والتسامح، ولماذا يجب ألا نكون وقودًا لفتنة لا تسأل البيوت عن ديانتها قبل أن تحرقها.
عميد كلية يلفت نظر فتاة لخطأ ما في حفل التخرج، تخرج منصات السوشيال لتقول إن العميد نهرها لأنها تعلق الصليب على رقبتها! وتخرج أخرى لتقول إنه وبخها على ملابسها الغير مناسبة.
في العاشرة والنصف ينشر (فيديو)، قبل الظهر ينتشر (بوست)، بعد الظهر عرفنا (ديانة) كل الأطراف، وفي المساء أصبح لدينا فريقان؛ أحدهما يدافع عن (الإسلام)، والآخر يدافع عن (المسيحية!)
هاشتاجات… مقاطع مقتطعة…تعليقات غاضبة…حكايات قديمة تُستدعى…وحسابات من داخل البلد وخارجه تدخل على الخط.
وكل فريق لديه روايته، وشهوده، ومظلوميته، وغضبه.
ويبقى سؤال صغير ضائع وسط الضجيج: ماذا حدث أصلًا؟
أحيانًا لا تبدأ الحادثة طائفية، نحن الذين نُطَيِّفها.
وأحيانًا يقع ظلم حقيقي، لكننا بدل أن نحاصر الظلم في فاعله وننصف المظلوم، نوسعه حتى يصبح المسلمون في جانب، والمسيحيون في الجانب الآخر.
ثم نجلس جميعًا أمام النار التي أشعلناها ونسأل: من أشعل النيران؟
تذكرت وأنا أتابع بعض ما يحدث اليوم قصة رواها لي منذ سنوات أحد أولياء الأمور.
لم يكن يومها Facebook بهذه القوة، ولا X، ولا TikTok، ولا Reels، ولم تكن المنصات قد تعلمت بعد كيف تحول غضبنا إلى مشاهدات، وخصوماتنا إلى ترند.
ومع ذلك…كانت آلة الفتنة القديمة تعمل.
وكان التعبير الذي جال بخاطري عندما سمعت هذه القصة: (ارحموا هذا البلد وكفاية لعب عيال)
بنتان على باب المدرسة:
بدأت الحكاية عند باب مدرسة إعدادية للبنات؛ حيث اختلفت تلميذتان على شيء من أشياء الصغار.
كلمة…ردت عليها كلمة…ارتفع الصوت…وربما امتدت يد.
وانتهى اليوم.
وفي صباح اليوم التالي جاءت أم إحدى الفتاتين غاضبة إلى المدرسة، دخلت إلى المديرة وطالبت بمعاقبة البنت الأخرى؛ استدعت المديرة الفتاتين؛ سمعت هذه، وسمعت تلك.
وبدا لها أن الأمر شجار معتاد بين بنتين؛ أخطأت واحدة، وأخطأت الأخرى، وربما كان خطأ إحداهما أكبر قليلًا.
حاولت المديرة تهدئة الأم؛ لكنها أصرت على اتخاذ إجراء ضد البنت المعتدية من وجهة نظرها، فتحاول المديرة المربية أن تبين لها أن اتخاذ إجراء في هذه الحالة يزيد من الهوة والشقاق بين الزميلتين..
ثم خرجت الجملة التي غيرت طبيعة المشهد كله: نعم لأننا مسيحيين تعاملونا كذلك! … وهنا يتكهرب الموقف: لم تعد أمامنا بنتان اختلفتا؛ أصبح أمامنا: مسلمة ومسيحية.
وتوترت المديرة.
كانت تتصرف قبل لحظة كمربية تريد إصلاح ما بين تلميذتين، فإذا بها الآن تشعر أنها متهمة بالتمييز الديني؛ فأعادت التحقيق، ورأت أن خطأ البنت المسلمة أكبر، فقالت لها:
ـ خلاص… أنتِ محرومة من المدرسة بكرة.
حاولت الصغيرة الدفاع عن نفسها:
ـ بس يا ميس…
ثم تذكرت شيئًا، وقالت ببراءة الأطفال المشاكسة:
ـ على العموم بكرة أجازة كده كده!
فسقط تدبير المديرة المسكينة، وزاد توترها.
فقالت: خلاص… بكرة وبعده!
وخرجت البنت الصغيرة معاقبة عن أمر لم يتعد شجار وأخطاء متبادلة، وأنها لا تستحق العقاب مهما كان حجمه.
لكن الحكاية لم تنته.
حين شعر الأطفال بالظلم:
ويطير الخبر في المدرسة وتستشعر القلوب الصغيرة حجم الظلم الذي وقع على زميلتهم وشعرت زميلات البنت أن العقوبة لم تكن بسبب الشجار وحده، وإنما لأن الكبار خافوا من كلمة: (اضطهاد)
ويمر يوم كئيب على قلوب الصغيرات.. ولم يكن يدري الجميع أن الكبار مهما تحكموا فإن للصغار عقول وقلوب يستطيعون بها أن يردوا الصاع صاعين..
والغضب عندما يشعر صاحبه أنه يدافع عن العدل يبدو جميلًا جدًا…
عادت البنت بعد انتهاء العقوبة، فاستقبلتها زميلاتها… لقد التفت بنات المدرسة حولها؛ هدايا. احتضان. ومؤازرة. ونظرات تقول: إحنا معاكي.
وأقاموا حفل استقبال ومؤازرة تحول إلى شبه مؤتمر لا يحتوي من الخطب والكلمات إلا تلك النظرات المتبادلة بين العيون البراقة بحب العدل والإنصاف..
حتى هنا… المشهد جميل. لكن مع نشوة الإحساس بقوة التآزر بين الصغيرات اتخذن قرارًا غير سير الموضوع: سنقاطع البنات المسيحيات.
لاحظوا القفزة، خلاف بين بنتين، تحوله أم غاضبة الى تمييز ديني، تعاقب بنت واحدة، فيتحول العقاب الى تمييز حقيقي؛ وهكذا تبدأ الفتنة عادة.
وأنتشر الخبر بين بنات المدرسة بجميع صفوفها وأسرع الجميع بمقاطعة الصغيرات المساكين أصحاب القلوب الرقيقة.. التي لم تستوعب أبداً أن يكون الدين سبباً لأن تقاطعني زميلتي!
في أيام قليلة بدأت البنات المسيحيات يشعرن بالعزلة، زميلة كانت تجلس بجوارها لم تعد تكلمها، أخرى لا تلعب معها، ثالثة تمر من جوارها كأنها لا تراها، والعجيب أنه لم يحدث أي حادثة تعدي لفظي او بدني من الطرفين؛ فقط المقاطعة!
والسؤال في عيون الصغيرات: وأنا مالي؟ لم أذهب إلى المديرة، لم أتشاجر مع أحد، لم تقل أمي شيئًا، فلماذا أصبحت فجأة مسئولة عن تصرف امرأة لا أعرفها؟
وهذا هو السؤال الذي ننساه نحن الكبار كثيرًا؛ يخطئ مسلم…فلماذا نحاكم الإسلام؟ يخطئ مسيحي…فلماذا نحاكم المسيحيين؟
سنعرف بقية القصة والى أين انتهت وكيف تفادى الصغار فتنة أرادها الكبار بعد وقفة قصيرة.
لكن ماذا لو كان هناك اضطهاد حقيقي؟
يظلم موظف…فلماذا تصبح المؤسسة كلها متآمرة؟ يخطئ شخص من أقلية…فلماذا تدفع الأقلية كلها الثمن؟
ويخطئ شخص من الأغلبية…فلماذا يصبح ملايين الناس شركاء في جريمته؟
التعميم أسرع طريق من المظلمة إلى الفتنة.
ولكن لو كان هناك اضطهاد حقيقي هنا يجب أن نكون عادلين أيضًا؛ ليس معنى ما أقول أن كل من يشكو التمييز واهم، ولا أن الإنسان المنتمي إلى أقلية ينبغي أن يصمت كلما شعر أنه عومل بصورة مختلفة بسبب دينه.
قد يقع تمييز حقيقي، وقد يقع ظلم بسبب الدين، وقد تكون لدى إنسان خبرات سابقة تجعله حساسًا تجاه موقف لا نراه نحن بالطريقة نفسها.
والعدل لا يقول له: أنت تتوهم.
العدل يقول: هات شكواك… وسنحقق فيها.
فإن وقع ظلم سميناه ظلمًا، وإن وقع تمييز سميناه تمييزًا، وإن كانت جريمة حاسبنا مرتكبها؛ لكننا لا نحكم قبل التحقيق، ولا نحول الشكوى الفردية إلى لائحة اتهام لطائفة كاملة.
ولا يجوز في الاتجاه الآخر أن تكون عبارة (الوحدة الوطنية) وسيلة لإسكات المظلوم، الوحدة التي تحتاج إلى دفن الشكاوى ليست وحدة، كما أن الشكوى التي تحتاج إلى إشعال المجتمع ليست بحثًا عن حق، وأيضا استخدام هذه اللافتة لاستعلاء طائفة على الأخرى غير مقبول.
بين الاثنين توجد كلمة واحدة: العدل.
اليوم دخلت الخوارزمية على الخط:
القصة التي أحكيها وقعت في زمن كانت فيه الفتنة تحتاج إلى وقت حتى تنتشر.
أما اليوم؟ يكفي هاتف، مقطع مدته أربعون ثانية، عنوان مثير، وجملة: شوفوا بيعملوا فينا إيه!
ثم تبدأ ماكينة التأثير الرهيبة: Share، Comment، Repost، رد على الرد، مقطع يقتطع نصف الجملة، وحساب يضيف معلومة لا يعرف مصدرها، وآخر يستخرج حادثة عمرها عشر سنوات، وثالث يسأل عن ديانة الموظف، ورابع عن ديانة المدير، وخامس يبحث في اسم العائلة.
ويشتغل فريق الرديدة من الفريقين على السوشيال ميديا واللذين يسمون أنفسهم الباحثون في مقارنة الأديان، وهذا ينقد القرآن وذاك ينتقد الأناجيل، وقد يصل الأمر الى البذائة وقلة الأدب.
وبعد ساعات لا تعود القضية: هل ظُلِمت هذه الفتاة؟
بل: القضية الآن هل المسلمون يضطهدون المسيحيين؟
فيرد فريق آخر: بل المسيحيون يتهمون المسلمين دائمًا بالاضطهاد!
وتختفي المدرسة، وتختفي الفتاة، وتختفي الواقعة، ويبقى الصراع.
وهنا لا تصبح الخوارزمية مجرد ناقل للفتنة…بل مكبرًا لها…مستفيدا منها، وقد يكون لآخرين من الكبار فائدة من النفخ في النار؛ ألم نقل إنه (لعب كبار)!
فالهدوء لا ينتشر بسرعة الغضب، ومقولة: (دعونا ننتظر التحقيق) لا تحصل عادة على التفاعل نفسه الذي تحصل عليه كلمة: فضيحة!
كلنا صحفيون ولا أحد ينتظر:
وهذا يحمّلنا مسئولية لم تكن موجودة بالصورة نفسها قبل عشرين عامًا، قديمًا كنت إذا سمعت قصة في جلسة ربما رويتها لخمسة أشخاص، اليوم تستطيع بضغطة واحدة أن تنقلها إلى خمسين ألفًا، ومع ذلك لا نشعر أننا أصبحنا ناشرين لفتنة، نقول: (أنا بس عملت شير.)، لكن الـ Share شهادة، وقد يكون وقودًا، وقد يظلم إنسانًا، وقد يشوه مؤسسة، وقد يزرع في قلب مسلم كراهية لمسيحي لم يره، أو في قلب مسيحي خوفًا من مسلم لم يقابله.
وانظروا الى توبيخ القرآن لناقلي الإشاعة دون تأكد؛ قال تعالى: )إذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ( [النور:15]
ولذلك، قبل أن تسأل: هل الخبر يخدم فريقي؟ اسأل: هل هو صحيح؟
وقبل أن تقول: (شفتوا؟ ما إحنا قلنا!) اسأل: هل أعرف بقية القصة؟
الإسلام لا يحتاج إلى ظلم المسيحي حتى ينتصر:
وهنا أحب أن أتكلم بوضوح مع المسلم؛ إذا كنت تعتقد أن الإسلام هو الحق…فهذا لا يعطيك حقًا واحدًا في ظلم من يخالفك؛ بل العكس، اختبار إيمانك الحقيقي ليس في عدلك مع من تحب، إنما في عدلك عندما تختلف.
يقول الله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾.
تأمل: ﴿اعْدِلُوا﴾.
ليس لأن الآخر مسلم، ولا لأنه يحبك، ولا لأنه يوافقك، بل لأنك أنت مأمور بالعدل.
ويقول سبحانه: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾.
ولاحظ أن الآية لم تقل فقط: لا تظلموهم؛ بل: ﴿أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾.
بر وقسط ومعاملة إنسانية.
إن الإسلام الذي أؤمن به لا يحتاج مني أن أعادي جاري المسيحي حتى أثبت ولائي لديني، ولا أن أظلمه حتى أدافع عن عقيدتي.
الاختلاف في العقيدة لا يلغي المواطنة:
وهناك مشكلة أخرى؛ يتصور البعض أن التعايش مع المختلف دينيًا معناه أن نقول: كل الأديان شيء واحد.
لا، المسلم يؤمن أن الإسلام حق، والمسيحي يؤمن بما يعتقد أنه حق، والاختلاف بينهما حقيقي، والنقاش وارد بضوابطه والتحذير عجيب أن ننجرف الى حوار عقيم: )وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ( [العنكبوت:46]
وقد علّمنا القرآن أدبًا عجيبًا في عرض هذا الاختلاف أن نقول في النهاية: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.
يمكن أن أختلف معك في أعمق شيء عند الإنسان: عقيدته، ثم أبيع لك، وأشتري منك، وأعمل بجوارك، وأحفظ حقك، وأفرح لنجاح ابنك، وأقف إلى جوارك إذا ظُلمت، وتقف معي إذا ظُلمت.
المواطنة لا تطلب مني أن أتنازل عن عقيدتي، وتدينّي لا يعطيني حقًا في الانتقاص من مواطنتك.
لا تستقوِ… لا هنا ولا هناك:
وكما أقول هذا للمسلم، أريد أن أقول للمسيحي شيئًا أيضًا: إذا وقع عليك ظلم… فطالب بحقك كاملًا، ولا تخف، ولا تسمح لأحد أن يسكتك باسم (عدم إثارة الفتنة).
لكن لا تجعل كل خلاف دينيًا قبل أن تتأكد أنه كذلك، ولا توسع الحادثة الفردية حتى تصبح وطنًا كاملًا في قفص الاتهام، ولا تجعل جمهورًا في بلاد بعيدة، لا يعرف عن بلدك الا مقطع غاضب أكثر مما يعرفه أهله من التحقيق والوقائع.
لا يجوز لفريق أن يستقوي بكثرته، ولا يجوز لآخر أن يستقوِ بالخارج على شريكه في الوطن…
نحن في النهاية في سفينة واحدة، والثقب الذي نصنعه تحت مقعد خصمنا…لن يسأله الماء عن ديانته.
أحيانًا نربي أبناءنا على الفتنة دون أن نشعر:
الطفل لا يولد وهو يعرف أن هذا الاسم مسلم وهذا مسيحي، ولا يولد وهو يعرف أن يخاف من كنيسة أو مسجد، ولا يولد وهو يحمل قائمة تاريخية بالمظالم المتبادلة.
نحن الذين نسلمه القائمة، ونزرع في قلبه الحقد.
كان لي في مراهقتي صديقا مسيحيا تربينا معا، وفرقتنا الأيام والمسافات وكنا نتواصل حتى شغلتنا دنيانا وبعد سنين عدت الى الحي القديم وذهبت اسأل عنه فوجدت مكانه عائلة مسلمة، فسألتها عنه وقصصت لهم قصتنا، ولا تتخيل حجم العجب في وجوه وقلوب هذه الأسرة وكان السؤال المندهش:
- انت جيّ بعد السنين دي كلها تسال عنه لأنه كان جارك وكنتم أصدقاء من عشرين سنة؟!
- نعم.. أريد ان اطمئن على مصيره (وكان عند عائلته مشاكل)
- ألا تعلم أنه مسيحي!
- ابتسمت وأنا أقول: نعم… وماذا في ذلك!
- وهنا سألوني: أنت من أي بيت في هذا الحي؟
- فلما أخبرتهم قال كبيرهم وهو يبتسم ويربت على كتفي:
- نعم… هذا البيت لا يخرج الا هذه الأخلاق… أنتم ناس محترمون.
فتأكدت يومها أن الدين هو الخُلق…وأن الوسام الذي تضعه على صدرك ليس أنك متدين، ولكن (أنت متدين محترم)
يوم أصلح الصغار ما أفسده الكبار:
ونعود الى فتاة المدرسة..
حاولت إدارة المدرسة بكل الطرق كسر هذه العزلة الصامتة.. إلا أن البنات أصررن إصراراً عجيباً، ولم تكن هناك هيئات تدفعهم أو جمعيات تمولهم أو شبهة مؤامرة على عنصري المجتمع، أو رغبة في الفتنة الطائفية، فقط هي القلوب المفطورة على العدل والإنصاف.
ولم تمر أيام طويلة إلا والبنات المسيحيات في المدرسة يتوجهن إلى مديرة المدرسة ومعهن البنت صاحبة المشكلة ليعلنوا لها أنهن لا ذنب لهن، وأنهن على استعداد لاسترضاء زميلتهم، وأعلنت البنت صاحبة المشكلة أنها ترفض تصرف أمها ولا دخل لها فيه، وأنها كثيراً ما تحدث مشكلات بينها وبين زميلاتها سواء مسيحيات أو مسلمات، تستطيع هي وهن أن يعبرنها، بغض النظر عن الدين.
نختلف، ونتصالح، نغضب، ثم نلعب؛ فهي لم تكن ترى نفسها (المسيحية) في مواجهة (المسلمة)، كانت ترى نفسها…بنتًا اختلفت مع صاحبتها.
وجمعت المديرة التلميذات وتحدث فيهم أحد العقلاء مبيناً سماحة الإسلام ومحبة النصرانية، وأننا نركب سفينة واحدة، وأن الله تعالى يرزقنا جميعاً، ويشفينا جميعاً، ويسعدنا جميعاً، ولم يفرق بين أحد منا بسبب دينه.. وكل منا مقتنع بان ما يؤمن به هو الحق.
ولكنه سبحانه وتعالى يريدنا أن نعيش في سلام.. ويؤجل موضوع الحساب على الدين إلى يوم أن نلقاه، وأن أحدنا لو ظلم الآخر لن يغفر الله له حتى ولو كان دينه هو الصحيح.. فالله يحب العدل بين جميع مخلوقاته، وأن القرآن أمرنا ﴿أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة:8]، ما داموا لم يحاربونا.. ونحن لم نتحارب يوماً ما
وأن السيد المسيح قال (أحبوا أعدائكم) ونحن لم نكن أعداء يوماً ما!
وسقطت المقاطعة، وعادت الأيدي تتشابك، وربما كنِّ قد نسين أصل المشكلة!
ولم يدعوا فرصة حتى للعتاب أو الاعتذار … وعاد الصفاء بين الصغار ليبعثوا إلينا رسالتهم.. “أيها الكبار كفاكم لعباً فنحن الصغار نحب السلام ونحب الإحسان والتسامح … لا تنقلوا مشكلاتكم التي لا سبب لها ولا داعي إلى ملاعبنا.. حتى تظل خضراء ظليلة …
لقد فعل الأطفال ما نعجز نحن عنه أحيانًا؛ لقد أعادوا المشكلة إلى حجمها الحقيقي، وانتهت الحكاية.
لم يحتجن إلى تاريخ الحروب الدينية، ولا إلى بيانات دولية، ولا إلى هاشتاج!
فقط: شيء من العدل… وشيء من التسامح… وشيء من العقل.
أيها الكبار… كفاكم لعبًا:
لو استطاعت بنات تلك المدرسة أن يكتبن لنا رسالة اليوم، ربما يقلن:
أيها الكبار…إذا اختلفنا فلا تسألونا أولًا عن دين صاحبتنا.
إذا ظُلمنا، أنصفونا. وإذا أخطأنا، حاسبونا. لكن لا تعلمونا أن نحمل خطأ الفرد إلى طائفته. لا تعطونا خصوماتكم ميراثًا. ولا تجعلوا هواتفنا تحمل حروبكم القديمة. ولا تحولوا ملاعبنا إلى ساحات معارك لم نخترها.
ولا تحولونا وقودا لمعارككم ومكاسبكم.
نحن نستطيع أن نختلف…ثم نلعب. نغضب… ثم نتصالح. فالكراهية في قلوبنا ليست موقفا مبدئيا.
كفاية لعب كبار:
نحن بحاجة اليوم إلى هذا الصوت أكثر من أي وقت مضى، إذا وقع تمييز ضد مسيحي، فلنقف معه لأنه مظلوم، وإذا وقع تمييز ضد مسلم، فلنقف معه للسبب نفسه؛ لا لأن هذا (منا)، وذاك (منهم).
ولكن لأن العدل لا يسأل المظلوم عن ديانته قبل أن ينصفه.
وإذا كانت لنا رسالة دينية نريد أن نقدمها للعالم، فأقوى ما يصدقها ليس ارتفاع أصواتنا…بل ارتفاع عدلنا. فاحذروا الذين يعيشون على إشعال الخلافات، واحذروا الذين لا يرون في الحوادث إلا مادة لمزيد من المشاهدات والمتابعين.
واحذروا أنفسكم حين يغريكم الغضب أن تضغطوا: Share.
فليس كل ما يصلح (ترندًا) يُصْلح وطنًا، وليس كل خلاف فتنة… لكن كل فتنة تقريبًا تحتاج إلى من يصر على أن يجعل الخلاف أكبر من حجمه.
فإذا رأيتم النار في بدايتها… لا تسألوا أولًا: من أي دين صاحبها؟ أطفئوها أولا؛ فالنار التي نشعلها لتحرق (الآخر)…لا تسأل عن ديانة البيوت قبل أن تدخلها.



