سر الحجاب (2).. المعركة أكبر من غطاء رأس
لماذا أصبح الحجاب ساحة للصراع على الإسلام والمرأة والأسرة؟
المعركة أكبر من غطاء رأس:
لماذا يتحول الحجاب من عبادة تؤديها فتاة صغيرة إلى قضية تشغل الحكومات وتستدعي القرارات السياسية والأمنية؟ في مشاهد منع الحجاب في أذربيجان رأينا تلميذات يبكين أمام مدارسهن ومعلمات يُمنعن من دخول فصولهن، فلنا أن نتساءل: هل نحن أمام خلاف حول الملابس وحدها أم أمام صراع الحجاب الأوسع حول الهوية الإسلامية؟
في مقالنا السابق “سر الحجاب 1“، حاولنا فهم الأسباب التي تدفع بعض الحكومات إلى هذه المواجهة، وتساءلنا عن السر الذي يجعل فتيات صغيرات يتمسكن بحجابهن رغم ما يتحملنه من ضغوط وحرمان من التعليم. لكن القضية لم تتوقف عند أحداث أذربيجان الأخيرة؛ فالحجاب ظل عبر عقود طويلة موضوعًا متكررًا للصراع في مجتمعات مختلفة، تتباين أنظمتها السياسية وثقافاتها وظروفها التاريخية.
فهل نحن أمام خلاف حول الملابس وحدها، أم أن وراء هذا الاهتمام المتكرر بالحجاب قضية أكبر تتعلق بالإسلام نفسه، وبحضوره في حياة الإنسان والمجتمع؟
في هذا المقال، وهو الجزء الثاني من سلسلة “سر الحجاب”، نبحث في الإجابة من قصة آدم وحواء، مرورًا بتجربة الاستعمار الفرنسي في الجزائر، وصولًا إلى مكانة المرأة والأسرة المسلمة في نقل القيم والمحافظة عليها عبر الأجيال.
ولنبدأ من حيث بدأت قصة الإنسان على الأرض، بل قبل أن يهبط إليها!
1- المعركة الأولى.. لماذا نزع الشيطان اللباس؟
حين نقرأ قصة آدم وحواء، نجد أن القرآن لم يكتفِ بالحديث عن إغواء الشيطان لهما بالأكل من الشجرة، وإنما لفت أنظارنا إلى نتيجة ذات دلالة عميقة؛ فقد انكشفت لهما عوراتهما، وسارعا إلى سترها بورق الجنة.
ثم جاء التحذير الإلهي الذي لم يُوجه إلى آدم وحواء وحدهما، وإنما إلى ذريتهما جميعًا:
﴿يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا﴾ (الأعراف: 27)
تأمل هذا التعبير: ﴿يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا﴾! لماذا اختار القرآن أن يذكر نزع اللباس وكشف العورة في سياق التحذير من فتنة الشيطان؟
لقد كانت غاية الشيطان الكبرى إغواء الإنسان وإبعاده عن طاعة ربه، وكان انكشاف العورة أحد الآثار التي أبرزها القرآن لهذه الفتنة. ولذلك يبين الإمام الطبري في تفسير الآية أن الله يحذر بني آدم من خداع الشيطان الذي أدى إلى كشف عورة أبويهم بعد أن كانت مستورة.
وفي المقال السابق تأملنا كيف كانت مبادرة آدم وحواء إلى ستر عورتيهما دليلًا على عمق معنى الستر في الفطرة الإنسانية. أما هنا فإننا نتأمل الوجه الآخر للمشهد؛ اهتمام الشيطان بإسقاط هذا الستر، وورود ذلك في التحذير الإلهي لبني آدم.
وهكذا نجد أن الستر في التصور الإسلامي ليس مجرد تقليد اجتماعي، وإنما يرتبط بمعاني الحياء والخصوصية وحرمة الجسد، وبطاعة الإنسان لربه والمحافظة على كرامته.
ومن هذا المنطلق يستطيع المؤمن أن ينظر إلى بعض التحولات المعاصرة التي تشجع التعري وتضعف الحياء باعتبارها من صور الفتنة التي حذر منها القرآن، دون أن يعني ذلك أن كل تغير في الأزياء أو كل من يختار لباسًا مختلفًا يقصد محاربة الدين.
لكن هذا التأمل يفتح أمامنا بابًا أكبر؛ فإذا كان الصراع بين الإنسان والشيطان يبدأ من إغوائه وتغيير سلوكه، فهل يمكن أن تكون المعارك التي تدور حول بعض أحكام الإسلام جزءًا من صراع أوسع حول المنظومة الإسلامية نفسها؟
2- هل يمكن تفكيك الإسلام قضيةً بعد قضية؟
الإسلام ليس مجموعة من الشعائر المتفرقة التي لا علاقة بينها؛ إنه عقيدة وعبادة وأخلاق وتشريعات، تتكامل لتقدم للإنسان تصورًا عن نفسه وربه وأسرته ومجتمعه، وتنظم علاقاته في جوانب متعددة من حياته.
لكن من يتابع الجدل الدائر حول الإسلام يلاحظ أن كثيرًا من المناقشات لا تتناول هذه المنظومة كاملة، وإنما تركز على قضايا بعينها؛ مرة حول الحجاب، وأخرى حول الميراث، وثالثة حول القوامة، ورابعة حول الجهاد، ثم الحدود الشرعية أو العلاقات الزوجية وأحكام الأسرة.
وللعجب، فإن قضيتي الحجاب والجهاد من أكثر الموضوعات حضورًا في السجالات الإعلامية والشعبية حول الإسلام، رغم الاختلاف الشديد بين أحكامهما وطبيعتهما ومجالاتهما.
فلماذا تحظى هذه الجزئيات بكل هذا الاهتمام؟ وهل يعود ذلك دائمًا إلى الرغبة في فهمها، أم أن بعضها أصبح مدخلًا لمناقشة صلاحية المرجعية الإسلامية نفسها؟
لا أريد أن أضع كل من يناقش هذه الأحكام في خانة واحدة؛ فهناك من يبحث بصدق عن الفهم، ومن يختلف مع بعض التفسيرات الفقهية، ومن يعترض على ممارسات اجتماعية تُنسب إلى الدين، وهناك أيضًا خطابات معادية تستخدم هذه القضايا لتقديم الإسلام كله بصورة سلبية.
لكن الذي يستحق التأمل أن الهجوم على حكم جزئي قد يتحول أحيانًا إلى تشكيك في المرجعية التي جاء منها؛ فإذا أمكن تصوير الحجاب باعتباره انتقاصًا من حرية المرأة، والميراث باعتباره ظلمًا لها، والقوامة باعتبارها استبدادًا، فقد يتكون لدى بعض المتلقين انطباع بأن المشكلة ليست في تطبيقات اجتماعية خاطئة أو في فهم حكم معين، وإنما في الإسلام نفسه!
وهنا تظهر خطورة تجزئة النقاش؛ فكل قضية تُنتزع من سياقها، وتُعرض بمعزل عن بقية الأحكام والقيم التي تنتمي إليها، ثم يُطلب من الناس الحكم عليها منفردة.
ولا يعني هذا وجود غرفة واحدة تدير كل هذه المعارك، أو اتفاق جميع أطرافها على هدف مشترك؛ فالأسباب والدوافع تختلف من مجتمع إلى آخر. لكن اختلاف الدوافع لا يمنع أن تتشابه بعض الخطابات، أو أن تتراكم آثارها في اتجاه واحد، وأن توجد أحيانًا مشروعات متعمدة لاستهداف المرجعية الإسلامية أو إضعاف حضورها.
ومن هنا يصبح السؤال: لماذا يحتل الحجاب تحديدًا هذه المكانة بين القضايا التي يدور حولها الصراع؟
3- لماذا الحجاب بالذات؟
للحجاب خصوصية تجعله مختلفًا عن كثير من المظاهر الدينية الأخرى؛ فهو عبادة ظاهرة، وممارسة يومية مستمرة، ترافق المرأة في المدرسة، والجامعة والعمل والشارع.
فالصلاة تؤدى في أوقات محددة، والصيام قد لا يشعر به الآخرون، أما الحجاب فيجعل جانبًا من الهوية الدينية حاضرًا أمام الناس طوال الوقت، دون أن تحتاج المرأة إلى إعلان انتمائها بالكلمات أو الشعارات.
ثم إنه يقع عند نقطة التقاء موضوعات شديدة الحساسية؛ الدين والجسد والحياء والحرية والمرأة والأسرة، فضلًا عن العلاقة بين الفرد والدولة، وحدود سلطة المجتمع على اختيارات أفراده.
ولهذا يمكن أن يتحول الحجاب من عبادة تؤديها امرأة امتثالًا لأمر الله إلى رمز تتصارع حوله تصورات مختلفة عن الإنسان والمرأة والمجتمع الحديث.
وليس هذا مجرد تفسير نظري نضعه للأحداث المعاصرة؛ فالتاريخ يقدم لنا مثالًا واضحًا على أن استهداف الحجاب قد يكون جزءًا من مشروع أوسع لتغيير هوية المجتمع وثقافته.
4- الجزائر.. حين أصبح نزع الحجاب مشروعًا استعماريًا:
في أثناء الاحتلال الفرنسي للجزائر، أدركت الإدارة الاستعمارية أن السيطرة العسكرية والإدارية لا تكفي وحدها لضمان السيطرة على المجتمع؛ فهناك اللغة والدين والعادات والأسرة، وهي عناصر تحفظ للناس شعورهم بهويتهم وتميزهم. وكانت المرأة الجزائرية وحجابها من أبرز الموضوعات التي اهتمت بها بعض السياسات الاستعمارية.
وفي مايو سنة 1958، شهدت الجزائر مناسبات علنية نُظمت خلالها مشاهد لخلع نساء جزائريات أغطية رؤوسهن، وقدمتها الدعاية الفرنسية باعتبارها دليلًا على تحرير المرأة واندماجها في المشروع الفرنسي.
لكن الدراسات التاريخية التي تناولت هذه الأحداث تكشف أن بعض تلك المشاهد جرى تحت الضغط والإكراه، وأن نزع الحجاب كان يحمل دلالة سياسية تتجاوز قضية الملابس إلى محاولة كسب النساء إلى جانب المشروع الاستعماري وإضعاف المقاومة الثقافية له.
وكان المفكر والطبيب فرانز فانون، الذي انحاز إلى الثورة الجزائرية، من أبرز من تناولوا هذه القضية. ففي كتابه «عام الثورة الجزائرية الخامس«، وتحديدًا في الفصل المعروف بـ«الجزائر سافرة»، شرح كيف نظر المشروع الاستعماري إلى المرأة الجزائرية وحجابها باعتبارهما مدخلًا للتأثير في المجتمع كله.
ومن اللافت أن هذا الصراع كشف أيضًا عن قدرة المرأة الجزائرية على اتخاذ مواقف مختلفة بحسب الظروف؛ فقد احتفظت بعض النساء بحجابهن تعبيرًا عن الهوية والمقاومة، بينما استخدمت بعض المناضلات تغيير الملابس وسيلة للتحرك وأداء مهامهن في مواجهة الاحتلال.
وهذا التفصيل مهم؛ لأنه يبين أن المرأة لم تكن مجرد موضوع تتصارع عليه القوى المختلفة، وإنما كانت طرفًا فاعلًا في المقاومة، تستخدم ما تراه مناسبًا من الوسائل لخدمة قضيتها.
لكن السؤال الذي يعنينا هنا: لماذا انشغلت سلطة استعمارية قوية، تمتلك الجيوش والإدارة وأجهزة الأمن، بغطاء رأس المرأة الجزائرية؟ ألم يكن من الممكن ترك النساء يرتدين ما يشأن؟ وما علاقة خلع الحجاب بتحقيق الأهداف السياسية للاستعمار؟
يبدو أن بعض أصحاب المشروع الاستعماري كانوا يدركون أن تغيير المظاهر المرتبطة بالهوية يمكن أن يكون مدخلًا إلى تغيير أعمق في الثقافة والولاء والانتماء. ولذلك لم يكن الحجاب في تلك المواجهة مجرد قطعة قماش؛ فقد أصبح أحد الرموز التي تدور حولها معركة الهوية، ومحاولة إعادة تشكيل المجتمع وفق تصور القوة المسيطرة عليه.
لكن لماذا احتلت المرأة هذه المكانة في حسابات بعض المشروعات الاستعمارية والتبشيرية؟ ولماذا لم تقتصر محاولات التأثير على الرجال أو المؤسسات السياسية والدينية؟
5- المرأة والأسرة.. أين تكمن القوة الحقيقية؟
تقدم لنا بعض الدراسات التاريخية جانبًا مهمًا من الإجابة.
ففي دراسة للمؤرخ ديفيد سافاج، تناول فيها التعليم التبشيري في الهند خلال القرن التاسع عشر، بيّن كيف نظر بعض المبشرين البروتستانت إلى المرأة باعتبارها حافظة للثقافة، وأن الوصول إليها من خلال التعليم يمكن أن يكون مدخلًا للتحول الديني والثقافي داخل المجتمع.
ولنلاحظ أننا نتحدث هنا عن سياق تاريخي محدد في الهند، لا عن خطة واحدة شملت جميع المجتمعات الإسلامية. لكن الدراسة تكشف إدراكًا مبكرًا لحقيقة تربوية بالغة الأهمية؛ أن الأفكار والمعتقدات لا تنتقل عبر المؤسسات والكتب وحدها، وإنما تنتقل أيضًا داخل البيوت، ومن خلال العلاقات الإنسانية والقدوة اليومية.
فالأطفال لا يتعلمون دينهم فقط عندما يجلسون أمام معلم يشرح لهم أحكام الصلاة والصيام، وإنما يتعلمونه كذلك عندما يرون أمهاتهم وآباءهم يصلون، ويسمعون الدعاء في بيوتهم، ويعيشون معاني الصدق والرحمة والحياء في مواقف الحياة اليومية.
والأم بحكم علاقتها الوثيقة بأبنائها، وما تمنحه لهم من رعاية وحنان وتوجيه، تستطيع أن تترك أثرًا عميقًا في نفوسهم، وأن تربط القيم الدينية بمشاعر الحب والأمان والانتماء. ولهذا فقد تعرف الفتاة معنى الحجاب من أمها قبل أن تتعلم أدلته من معلمتها، وقد تتشرب معنى الحياء من سلوك الأسرة قبل أن تستطيع التعبير عنه في كلمات.
ولعل هذا يساعدنا على فهم جانب من تلك الظاهرة التي توقفنا أمامها في المقال الأول؛ فتيات صغيرات لا يعرف بعضهن الكثير عن الفقه والتفسير، ومع ذلك يتمسكن بحجابهن عندما يُطلب منهن التخلي عنه. فالدين عندهن ليس معلومات مخزنة في الذاكرة وحدها؛ إنه جزء من الشخصية، ارتبط بالمحبة والتربية والعادات والانتماء، ثم جاءت المواجهة لتوقظ في نفوس بعضهن وعيًا جديدًا بقيمته.
لكننا سنخطئ إذا اختزلنا أهمية المرأة في دورها التربوي وحده؛ فهي قبل أن تكون أمًا أو زوجة إنسان مكلف، له إيمانه وشخصيته وحقه في ممارسة عبادته. وهي كذلك شريكة في الحياة الاجتماعية والثقافية والعلمية، ولها تأثير مباشر يتجاوز حدود بيتها.
ومن هنا تتضح العلاقة بين الاهتمام بالمرأة والاهتمام بالأسرة؛ فالتأثير في أفكار المرأة وقيمها وسلوكها قد يمتد إلى علاقاتها واختياراتها وإلى الأجيال التالية، كما أن التأثير في الرجل لا يقل أهمية في تشكيل الأسرة وتربية الأبناء.
ولذلك فإن أي مشروع يريد تغيير البنية القيمية لمجتمع ما لن يستطيع تجاهل الأسرة، وما ينتقل داخلها من معتقدات وعادات ومعايير للسلوك. أما الحجاب، فيمكن أن يكون أحد المظاهر الظاهرة لهذه القيم، لكنه ليس بديلًا عن التربية ولا مقياسًا وحيدًا على صلاح المرأة أو قدرتها على تنشئة أبنائها؛ فالأثر التربوي الأعمق ينشأ عندما تتكامل القناعة الدينية مع السلوك والقدوة وحسن المعاملة.
وهنا نفهم كيف يمكن أن تصبح قضية تتعلق بلباس المرأة مدخلًا إلى صراع يتجاوز الملابس، ويصل إلى موقع الدين في البيت، وطريقة انتقال القيم بين الأجيال.
6- حين كان التعرض لستر المرأة قضية كبرى:
وإذا عدنا إلى السيرة والتاريخ الإسلامي، وجدنا أن صيانة حرمة المرأة احتلت مكانة بارزة في الوجدان الإسلامي، وظلت بعض الوقائع والروايات المرتبطة بها حاضرة في ذاكرة المسلمين قرونًا طويلة.
من أشهرها ما أورده ابن هشام في قصة بني قينقاع؛ إذ تذكر الرواية أن امرأة جاءت إلى سوقهم، فحاول بعضهم حملها على كشف وجهها، فلما امتنعت عقد أحد الصاغة طرف ثوبها من خلفها، فانكشفت عورتها عندما قامت، فصاحت، وتطور الموقف إلى اشتباك قُتل فيه رجل مسلم ورجل من بني قينقاع.
ثم تصاعدت المواجهة بين المسلمين وبني قينقاع، وانتهى الأمر بإجلائهم عن المدينة.
وهذه رواية مشهورة في كتب السيرة، وإن كانت محل بحث من جهة الإسناد والتفاصيل التاريخية، كما أن الصراع مع بني قينقاع كان له سياق أوسع يتعلق بالعهد والعلاقات السياسية والأمنية في المدينة؛ ولذلك لا يصح اختزال المواجهة كلها في هذه الواقعة وحدها.
وتحضر كذلك في الذاكرة الإسلامية قصة المرأة التي استغاثت بالخليفة العباسي المعتصم، فارتبطت استغاثتها بعبارة «وامعتصماه»، وبحملة فتح عمورية سنة 223هـ. وفتح عمورية واقعة تاريخية ثابتة، وكانت له أسباب عسكرية وسياسية معروفة، أما قصة الاستغاثة بتفاصيلها المتداولة فليست ثابتة بالدرجة نفسها.
لكن لماذا بقيت هاتان القصتان، رغم اختلاف درجة ثبوتهما، حاضرتين في وجدان المسلمين بهذه الصورة؟
إننا هنا لا نستدل بهما على أن الحروب ينبغي أن تُشن بسبب ملابس النساء، وإنما نتأمل ما تكشفه شهرتهما من مكانة صيانة حرمة المرأة في الوعي الإسلامي، ومن عمق الشعور بالإهانة عندما تتعرض امرأة لكشف عورتها أو الاعتداء على كرامتها.
فالستر ليس مجرد مسألة مظهر، والحياء ليس دعوة إلى إلغاء شخصية المرأة أو حبسها بعيدًا عن المجتمع؛ وإنما يرتبطان بحفظ حرمة الإنسان واحترام خصوصيته وجسده.
ومن المهم كذلك ألا تتحول حماية المرأة إلى اعتبارها مجرد رمز لشرف الرجال أو القبيلة؛ فكرامتها أصيلة في إنسانيتها، وحقها في الأمان والاحترام قائم بذاته، سواء كانت أمًا أو زوجة أو ابنة أو امرأة لا تربطنا بها صلة قرابة.
ولعل هذا المعنى هو الذي يساعدنا على الانتقال من التاريخ إلى الواقع المعاصر؛ فالمشكلة ليست في أن تضع المرأة على رأسها قطعة قماش، وإنما في أن يُراد نزع ما اختارته التزامًا بدينها، أو الاعتداء على حريتها وكرامتها باسم تحريرها.
7- لماذا تستمر المعركة مع الحجاب؟
إذا كان الحجاب قد أصبح في بعض المراحل التاريخية رمزًا للهوية الدينية والمقاومة الثقافية، فلماذا ظل حاضرًا رغم التحولات الاجتماعية والضغوط السياسية التي تعرض لها؟
ربما لأن القيم المتجذرة في الوجدان لا تختفي بمجرد صدور قانون، ولأن السلطة تستطيع أن تمنع مظهرًا في مؤسسة معينة، لكنها لا تستطيع بالسهولة نفسها أن تغير ما استقر في نفوس الناس من معتقدات، أو ما ينتقل بين الأجيال من معانٍ دينية. وقد تستطيع الحكومة أن تمنع الحجاب عند أبواب المدارس، لكنها قد تدفع بعض الفتيات إلى إعادة اكتشاف سبب تمسكهن به، وتزيد إحساسهن بأنه جزء من هويتهن وحقهن في ممارسة دينهن.
والأمر لا يقتصر على الفتيات؛ فقد تتضامن غير المحجبة مع المحجبة، ويقف زملاء الدراسة إلى جانبهما، لأن القضية أصبحت في نظرهم مسألة عدل وحرية وكرامة، حتى وإن اختلفت مواقفهم الشخصية من الحجاب.
وهنا نعود إلى الصورة التي بدأنا بها؛ طفلة تبكي أمام مدرستها، ومعلمة تريد أن تدخل فصلها، وأسر تشعر أن دينها أصبح سببًا لاستبعاد أبنائها من التعليم. لكن هذه المواجهات تضع علينا نحن أيضًا مسؤولية لا تقل أهمية؛ فليس كافيًا أن نستنكر منع الحجاب، أو أن نغضب من الحملات التي تستهدفه، ثم نترك أبناءنا دون تربية تعينهم على فهم دينهم والاعتزاز به.
فالهوية الدينية لا يحفظها الغضب وحده؛ إنها تحتاج إلى معرفة وقناعة وقدوة، وإلى بيوت يجد فيها الأبناء معنى الإيمان قبل أن يسمعوا الحديث عنه. وإذا كنا نريد أن تتمسك بناتنا بالحجاب عن وعي، فعلينا أن نساعدهن على فهم حكمته ومعناه، وأن نربطه في نفوسهن بمحبة الله وطاعته، لا بالخوف من الناس أو الخضوع لضغوط المجتمع.
وكذلك فإن الحياء والعفة ليسا تكليفًا للمرأة وحدها؛ فالرجل مأمور بغض البصر وصيانة السلوك، والأب والأم شريكان في غرس القيم، والمجتمع كله مسؤول عن احترام كرامة الإنسان وعدم الاعتداء على حرمته.
8- المعركة أكبر من غطاء رأس!
بدأنا من مشهد فتاة صغيرة ممنوعة من دخول مدرستها بسبب حجابها، ثم رجعنا إلى قصة الإنسان الأولى مع الشيطان، وانتقلنا إلى محاولات تفكيك بعض أحكام الإسلام عن منظومته، وإلى التجربة الاستعمارية في الجزائر، واهتمام بعض المشروعات التبشيرية بالمرأة ودورها في نقل الثقافة، ثم إلى مكانة صيانة حرمة المرأة في الوجدان الإسلامي.
وقد تبدو هذه الموضوعات متباعدة، لكنها تتصل جميعًا بسؤال واحد: لماذا يحتل الحجاب هذه المكانة في الصراع حول الدين والهوية والمجتمع؟
نستطيع الآن أن نقترب من الإجابة. فالحجاب عند المرأة المسلمة عبادة تتقرب بها إلى الله، وهو في الوقت نفسه مظهر ظاهر ومستمر لهويتها الدينية، وقد يصبح في بعض الظروف رمزًا لاستقلال هذه الهوية عن التصورات التي تريد السلطة أو بعض القوى الاجتماعية فرضها.
ثم إن الحجاب يتصل بمعانٍ أوسع من الملابس؛ الحياء والستر والعفة، وهي قيم تتربى عليها الأجيال داخل الأسرة، وتنتقل بالمحبة والقدوة قبل أن تنتقل بالكتب والمواعظ.
وهنا تتلاقى ثلاثة معانٍ قد تفسر جانبًا مهمًا من استمرار الصراع حول الحجاب: العبادة الظاهرة، والهوية الدينية، ودور المرأة والأسرة في المحافظة على القيم ونقلها إلى الأجيال التالية.
ولا يعني هذا أن كل من ينتقد الحجاب يعادي الإسلام، أو أن جميع السياسات التي تقيده تنطلق من مشروع واحد؛ لكن الوقائع التاريخية تثبت أن الحجاب استُخدم في بعض المراحل ساحة لصراع أوسع حول الدين والثقافة والهوية، وأن بعض المشروعات رأت في التأثير على المرأة مدخلًا لتغيير المجتمع.
ولهذا فإن رسالتي إلى المرأة المسلمة، وخاصة الفتاة التي تواجه الضغوط بسبب حجابها، تتجاوز الدعوة إلى التمسك بغطاء الرأس وحده. أريدها أن تدرك أن حجابها حين تختاره امتثالًا لأمر ربها ليس تفصيلًا صغيرًا في حياتها، وأن ما تحمله من قيم الحياء والستر والكرامة يستحق منها أن تفهمه وتحافظ عليه، وأن تقدمه في سلوكها وعلاقاتها بصورة تعبر عن جمال دينها.
وأريدها كذلك أن تعرف أن قيمتها لا تختزل في حجابها، ولا في دورها كزوجة وأم، وإنما في إيمانها وشخصيتها وعلمها وعملها وأخلاقها، وأن تمسكها بدينها يكتسب قوته الحقيقية عندما يصدر عن وعي واقتناع ومحبة.
إن المرأة التي تحافظ على حجابها رغم الضغوط تقدم نموذجًا للثبات على ما تؤمن به، والمرأة التي تغرس في أبنائها معاني الحياء والصدق والرحمة تؤدي دورًا تربويًا عظيمًا، والمرأة التي تجمع بين العلم والإيمان وحسن الخلق تسهم في تقديم صورة حية للإسلام في المجتمع.
لكن المسؤولية لا تقع عليها وحدها؛ فحفظ الدين والهوية مسؤولية يشترك فيها الرجال والنساء، والآباء والأمهات، والمربون والمؤسسات التي تحترم عقيدة المجتمع وقيمه.
وأخيرًا، لعل أهم ما نتعلمه من هذه الأحداث أن المحافظة على الهوية الإسلامية لا تبدأ من مواجهة من يهاجمونها، وإنما من بناء الإنسان الذي يعرف دينه، ويفهم أحكامه، ويتمسك بها عن وعي ومحبة واقتناع.
فإذا كانت بعض القوى قد أدركت أن التأثير في المرأة والأسرة يمكن أن يغير ملامح المجتمع عبر الأجيال، أفلا يجدر بنا أن ندرك أن بناء المرأة المؤمنة الواعية، والرجل المؤمن الواعي، والأسرة التي تعيش قيم الإسلام، هو الطريق الأعمق للمحافظة على ديننا وهويتنا؟
وحين نصل إلى هذا المعنى ندرك لماذا كانت المعركة، في بعض صورها، أكبر بكثير من غطاء رأس.



