سر الحجاب (1).. لماذا تخشى الحكومات من الحجاب؟
وما سر تمسك الفتيات بغطاء الرأس رغم الضغوط؟
قطعة قماش صغيرة تغطي الرأس، لكنها تحرك الرأي العام وتفتح ملفات السياسة والتربية والحقوق. فما سر الحجاب الذي يجعل بعض الحكومات تتعامل معه كأنه قضية أمن واستقرار؟ ولماذا تتحول مسألة تتعلق بقطعة من ملابس المرأة أو الفتاة وتخضع لحريتها الشخصية إلى معركة تُصدر فيها القرارات وتُخاض من أجلها الاحتجاجات؟ بالمقابل، ما الذي يجعل الفتيات يتمسكن بالحجاب رغم كل هذه الضغوط وذلك المنع، حتى حين يكون الثمن مقاعد الدراسة والمستقبل؟ في هذا المقال نقترب من سرّين متلازمين؛ سر خشية الحكومات من غطاء الرأس، وسر ثبات الفتيات عليه، لنفهم من زاوية تربوية ونفسية ما يتجاوز القماش إلى المعنى.
تخيل طفلة تذهب إلى مدرستها في الصباح، تحمل حقيبتها وكتبها، وتستعد للقاء زميلاتها، لكنها تفاجأ بمن يمنعها من الدخول؛ ليس لأنها تأخرت، ولا لأنها ارتكبت مخالفة، وإنما لأنها تغطي شعرها بالحجاب!
والحكاية ليست حالة فردية؛ فقد أثارت قرارات الحكومة في أذربيجان الأخيرة بشأن الزي المدرسي احتجاجات واسعة، بعدما مُنعت طالبات ومعلمات من دخول بعض المدارس بسبب الحجاب، في بلد تبلغ نسبة المسلمين فيه نحو 96% من السكان.
حين تبكي التلميذات وتتحول المدارس إلى ساحات احتجاج:
لم يتوقف الأمر عند منع بعض الفتيات من دخول فصولهن؛ فقد انتشرت مشاهد لتلميذات يبكين ويحتضنّ معلماتهن المحجبات، وظهرت احتجاجات أمام المدارس، وامتنع طلاب في بعض المدارس عن حضور الدروس تضامنًا مع زميلاتهم.
وتناقلت وسائل الإعلام ومواقع التواصل مشاهد لمعلمات يواصلن التدريس خارج الفصول، في صورة مؤثرة لمقاومة هادئة؛ مع أن تفاصيل بعض هذه المشاهد ما زالت تحتاج إلى توثيق مستقل.
وفي العاصمة باكو، في إحدى مدارس أذربيجان، ذهبت معلمة لتؤدي عملها الذي تمارسه منذ 23 عامًا، لكنها فوجئت بمنعها من دخول المدرسة بسبب حجابها. ولم تكن وحدها؛ فابنتها أيضًا مُنعت من الدخول للسبب نفسه! ثم تطورت الاحتجاجات، وأعلنت السلطات توقيف 37 شخصًا على خلفية الأحداث.
ثم خرجت المظاهرات في الشوارع، وارتفعت أصوات الأهالي والطلاب والمعلمين احتجاجًا على القرار.
وهكذا تحولت مسألة كان يمكن حلها بإضافة غطاء للرأس إلى الزي المدرسي إلى قضية تشغل المدارس والأسر وأجهزة الدولة، وتتجاوز حدود أذربيجان إلى ردود فعل في تركيا وغيرها.
وهنا أجد نفسي أمام سؤال يصعب تجاوزه: ما القيمة التي تريد الدولة تحقيقها من منع الحجاب، حتى تكون مستعدة لدفع كل هذه الأثمان؟
ما المكسب الذي يستحق حرمان طفلة من التعليم، وتهديد معلمة في مصدر رزقها، وإثارة غضب الأهالي، وإضعاف الثقة بين المواطن ومؤسسات دولته؟
وهل يمكن أن يكون الحفاظ على شكل الزي المدرسي أهم من الحفاظ على شعور الطفل بالانتماء إلى وطنه؟
الحكاية أقدم من الحجاب نفسه!
دعونا نرجع قليلًا إلى بداية قصة الإنسان، قبل ظهور الدول والقوانين والأزياء، بل قبل أن يهبط آدم وحواء إلى الأرض.
يحكي لنا القرآن الكريم أنه عندما أكل آدم وحواء من الشجرة، انكشف لهما ما كان مستورًا من عوراتهما، فكانت الاستجابة الفورية: ﴿فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: 22]
تأمل هذا المشهد قليلًا؛ لم يكن هناك مجتمع يحكم عليهما، ولا عادات اجتماعية تضغط عليهما، ولا بشر آخرون يخجلان من نظراتهم. ومع ذلك، كان أول ما فعلاه هو محاولة ستر ما انكشف من جسديهما.
كأن القرآن يلفت أنظارنا إلى أن الستر ليس مجرد عادة اخترعها الإنسان بعد تطور المجتمعات، وإنما هو معنى عميق في فطرته؛ مرتبط بالحياء والخصوصية وإحساس الإنسان بجسده وكرامته.
ثم جاءت الشرائع لتنظم هذه الفطرة، وتضع لها حدودها وأحكامها، وكان حجاب المرأة المسلمة أحد هذه الأحكام.
لماذا أصبح الستر مشكلة؟
من الطبيعي أن تختلف المجتمعات في أزيائها، وأن تتغير الملابس مع الزمن، وأن يختلف الناس في مساحة الجسد التي ينبغي سترها. لكن الذي يثير الاستغراب أن يتحول اختيار امرأة أن تستر المزيد من جسدها إلى مشكلة تستدعي تدخل الدولة!
ولنفترض أن فتاة دخلت مدرستها محتشمة، تحضر دروسها، وتتعامل مع زميلاتها باحترام، ولا تفرض على أحد أن يقلدها؛ فأين المشكلة التي تهدد المدرسة أو المجتمع؟
هل الحجاب يعطل عقلها عن التفكير؟ هل يمنعها من تعلم الرياضيات والطب والعلوم؟ وهل أصبح غطاء الرأس عقبة أمام التقدم العلمي؟
وإذا كان المطلوب توحيد الزي المدرسي، فلماذا لا يكون الحجاب جزءًا منه؟ ألا توجد حلول تنظيمية أبسط من منع الفتيات من التعليم؟
لماذا الحجاب بالذات؟
وهنا نقترب من السؤال الأهم في هذا المقال..
فالمسلم يصلي ويصوم ويتصدق، وقد يمارس عباداته دون أن تثير كل هذا القلق السياسي. فلماذا أصبح الحجاب بالذات ساحة متكررة للصراع بين بعض الحكومات ومواطنيها؟
ربما لأن الحجاب يختلف عن كثير من العبادات في أنه شعيرة ظاهرة ومستمرة؛ فالصلاة تؤدى في أوقات محددة، والصيام قد لا يراه الآخرون، أما الحجاب فيصاحب المرأة في المدرسة، والجامعة، والعمل، والشارع.
إنه يجعل الهوية الدينية حاضرة في المجال العام، بصورة لا تحتاج إلى كلمات أو شعارات. ولهذا قد تراه بعض الحكومات تحديًا لتصورها عن المجتمع الحديث، أو لسلطتها في تحديد المظاهر المقبولة للتدين.
فالحجاب عند المرأة المسلمة المتدينة عبادة، وعند آخرين علامة على الهوية الإسلامية، وعند بعض الساسة رمز لحضور الدين خارج المؤسسات التي تنظمها الدولة.
ومن هنا قد نفهم جانبًا من سر العداء للحجاب؛ فالمشكلة ليست دائمًا في قطعة القماش، وإنما في المعنى الذي تحمله، وفي أن المرأة تتمسك بهذا المعنى بإرادتها، حتى حين تريد السلطة إبعاده عن الحياة العامة.
هل تخشى الدولة من الدين أم من استقلال الناس عنها؟
الدولة الحديثة تريد أن تنظم التعليم والعمل والمؤسسات العامة، وهذا من وظائفها الطبيعية. لكن بعض الحكومات قد تتجاوز التنظيم إلى محاولة تحديد الصورة التي ينبغي أن يكون عليها المواطن في مظهره وتدينه.
وقد تتصور أن المجتمع الأكثر حداثة هو المجتمع الذي تختفي منه الرموز الدينية الظاهرة، أو أن تقليص هذه الرموز يحد من نفوذ الجماعات الدينية والسياسية.
لكن هل كل امرأة محجبة تنتمي إلى جماعة سياسية؟ وهل كل فتاة تغطي شعرها تعلن معارضة الحكومة؟ وهل أصبح التدين نفسه قرينة على عدم الولاء للدولة؟
إن التدين لا يعني بالضرورة المعارضة السياسية، كما أن خلع الحجاب لا يعني الولاء للحكومة. والخلط بين المظهر الديني والموقف السياسي قد يصنع خصومة لم تكن موجودة أصلًا.
وهنا تكمن المفارقة؛ فقد تسعى الدولة إلى تعزيز سلطتها وهيبتها بمنع الحجاب، فإذا بها تدفع مواطنين لم يفكروا يومًا في معارضتها إلى الشعور بأن الدولة أصبحت خصمًا لعقيدتهم.
من فرنسا إلى أذربيجان.. هل العلمانية تعني منع التدين؟
ربما نفهم أن بعض الدول غير الإسلامية تنظر إلى الحجاب باعتباره مظهرًا دينيًا يتعارض مع تصورها للعلمانية، كما حدث في فرنسا، التي منعت منذ عام 2004 ارتداء الرموز الدينية الظاهرة في المدارس الحكومية، ومنها الحجاب الإسلامي.
لكن السؤال يظل قائمًا: هل حياد الدولة تجاه الأديان يقتضي أن يكون المواطن محايدًا تجاه دينه أيضًا؟ وهل يمكن حماية الحرية الدينية بمنع الإنسان من إظهار بعض مظاهر تدينه؟
وتزداد المفارقة حين تنتقل هذه السياسات إلى بلاد غالبية أهلها من المسلمين، مثل أذربيجان، حيث الإسلام جزء من تاريخ المجتمع وثقافته، وإن اختلفت درجات التدين بين أفراده.
فكيف يصبح مظهر ديني مألوف لدى المواطنين مشكلة تهدد النظام التعليمي؟ وكيف يُطلب من فتاة أن تختار بين انتمائها الديني وحقها في التعليم؟
حين تتحول المدرسة إلى مصدر للاغتراب:
ومن موقعي التربوي، أرى أن أخطر ما في هذه الإجراءات ليس فقط ما يحدث اليوم، وإنما ما قد يبقى في نفوس الأطفال غدًا.
فالطفلة التي تبكي أمام باب مدرستها لا تفهم بالضرورة فلسفة العلمانية أو حدود سلطة الدولة؛ لكنها تفهم أنها ممنوعة من الدخول بسبب شيء تعلمت أنه جزء من دينها.
والطفل الذي يرى معلمته المحبوبة تُبعد عن فصلها لأنها ترتدي الحجاب، قد يتكون لديه شعور بأن المدرسة التي كان يحبها أصبحت تعاقب الإنسان على تدينه.
وهكذا قد تتحول المؤسسة التي يفترض أن تربي الانتماء الوطني إلى مصدر للشعور بالاغتراب عن الوطن.
إن الدولة لا تبني انتماء مواطنيها بالقوانين وحدها؛ وإنما تبنيه أيضًا بالشعور بالعدل والاحترام، وبإحساس المواطن أن مؤسسات بلده تتسع لهويته وقناعاته.
فما الذي يحدث حين يشعر المواطن أن عليه أن يختار بين احترام الدولة واحترام دينه؟
من الاحتجاج الصامت إلى أزمة الدولة:
تبدأ الحكاية بفتاة ممنوعة من دخول المدرسة، ثم تتضامن معها زميلاتها، ثم يمتنع بعض الطلاب عن الدراسة، ويحتج الآباء والأمهات، وتنتقل الصور إلى مواقع التواصل، وتبدأ المظاهرات.
وليس من الضروري أن يتفق كل هؤلاء في درجة التدين، أو حتى في حكم الحجاب؛ فقد تتضامن فتاة غير محجبة مع زميلتها المحجبة لأنها ترفض حرمانها من التعليم، وقد يحتج أب لأنه يرى أن كرامة ابنته قد أُهينت.
وهنا تتجاوز القضية الخلاف حول الزي، وتصبح قضية عدل، وكرامة، وحقوق، وانتماء.
وقد شهدت دول مسلمة في تاريخها الحديث صراعات طويلة حول الهوية الدينية، دفعت فيها المجتمعات والحكومات أثمانًا اجتماعية وسياسية باهظة، قبل أن تتراجع بعض القيود التي فُرضت على المظاهر الدينية.
ولست أقول إن ما يحدث في أذربيجان سيؤدي حتمًا إلى ثورة شعبية، لكن من الخطأ أن تستهين أي حكومة بإمكانية اتساع الاحتجاج حين يتحول قرار إداري إلى شعور جماعي بأن العقيدة مستهدفة.
والأخطر أن تتحول المدارس إلى ساحات مواجهة بين الدولة والأسر، وأن يعتاد الأطفال رؤية رجال الأمن بدلًا من المعلمين عند أبواب مدارسهم.
فأي قيمة سياسية أو تربوية تستحق هذه المخاطرة؟ وأي مشروع للتحديث يمكن أن ينجح إذا بدأ بإضعاف الثقة بين الشعب والدولة؟
حرية المرأة.. لكن بشروط!
نسمع كثيرًا من يتحدثون عن حق المرأة في اختيار ملابسها، وعن استقلالها بجسدها، ورفض تدخل المجتمع في قراراتها الشخصية. وهي مبادئ تستحق الاحترام حين يكون المقصود بها حماية المرأة من الإكراه.
لكن لماذا يتغير هذا الخطاب عندما تختار المرأة الحجاب؟
إذا كانت المرأة التي تُجبر على ارتداء الحجاب ضحية لسلطة تتدخل في اختيارها، فماذا نسمي المرأة التي تُجبر على خلعه لتدخل جامعتها، أو تحتفظ بوظيفتها؟
أنا لا أنكر أن بعض النساء يتعرضن لضغوط أسرية أو اجتماعية لارتداء الحجاب، ولا أرى أن هذه الضغوط ينبغي تجاهلها. لكن علاج الإكراه لا يكون بإكراه مضاد؛ فالمرأة لا تصبح أكثر حرية حين ننتزع منها حقها في الاختيار باسم تحريرها!
والآن.. ما سر تمسك الفتيات بالحجاب؟
السر الآخر.. لماذا تتمسك الفتيات بالحجاب؟
إذا كان من المحير أن تدخل بعض الحكومات في مواجهة مع الحجاب، رغم ما قد يترتب عليها من خسائر سياسية واجتماعية، فإن هناك ما هو أكثر إثارة للتأمل: ما الذي يجعل فتاة صغيرة تتمسك بحجابها، حتى وهي ترى باب مدرستها مغلقًا أمامها، ومستقبلها الدراسي مهددًا؟
والأعجب أن بعض هؤلاء الفتيات قد لا يعرفن الكثير عن الفقه والتفسير، وربما لا يستطعن شرح الأدلة الشرعية للحجاب، وقد يكنّ مقصرات في بعض العبادات الأخرى؛ ومع ذلك، حين يُطلب منهن التخلي عن حجابهن، يتمسكن به بصورة تدهش من يراقبهن!
فمن أين تأتي هذه القوة؟
أظن أننا لن نفهم هذه الظاهرة إذا تعاملنا مع الحجاب باعتباره مجرد التزام فقهي تتعلمه الفتاة، ثم تقرر تطبيقه. فهناك ما هو أعمق من المعرفة بالأحكام؛ هناك الفطرة، والتربية، والعاطفة الدينية، والانتماء، والصورة التي تكونها الفتاة عن نفسها وعلاقتها بربها.
فالستر والحياء من المعاني التي تتصل بفطرة الإنسان، كما تأملنا في قصة آدم وحواء. ثم تأتي التربية فتنمي هذه المعاني، وتربطها بالإيمان بالله ومحبته والرغبة في طاعته، حتى يصبح الحجاب عند كثير من الفتيات جزءًا من شخصيتهن، وليس مجرد قطعة ملابس يرتدينها عند الخروج.
وقد تتعلم الفتاة الحجاب من أمها قبل أن تتعلم أدلته من معلمتها، وتراه في سلوك النساء اللاتي تحبهن وتحترمهن، قبل أن تقرأ عنه في كتب الفقه. وهكذا ينتقل الدين بين الأجيال بالقدوة والمعايشة والمشاعر، كما ينتقل بالتعليم والمعرفة.
وقد تجتمع هذه المعاني في فتاة لا تستطيع أن تصوغها في كلمات، لكنها تشعر بها بقوة حين يطلب منها أحد أن تتخلى عن حجابها.
وهذا لا يعني أن جميع المحجبات يحملن الدوافع نفسها؛ فمنهن من ترتديه عن قناعة دينية واعية، ومنهن من اعتادت عليه بحكم التربية والمجتمع، وقد تتعرض بعضهن لضغوط أسرية لارتدائه. لكن اللافت أن الفتاة التي كانت ترتديه بحكم العادة قد تكتشف عمق ارتباطها به عندما تُجبر على الاختيار بينه وبين مدرستها.
فالمنع أحيانًا يوقظ معاني لم تكن الفتاة قد فكرت فيها من قبل؛ فتبدأ في السؤال عن دينها، وعن حقها في الالتزام به، وعن سبب مطالبتها بالتخلي عن شيء لا ترى فيه أذى لأحد.
وقد يتحول الحجاب من ممارسة يومية مألوفة إلى موقف تدافع فيه الفتاة عن قناعتها وكرامتها وحقها في الاختيار.
وهنا تظهر مفارقة تستحق التأمل؛ فالدولة التي تريد تقليل حضور الحجاب قد تسهم، دون أن تقصد، في تعميق معناه لدى بعض الفتيات، وتحويله من عادة اجتماعية إلى قضية هوية وانتماء.
لكن الأمر لا يقف عند الفتاة وحدها؛ فحين تتضامن معها زميلتها غير المحجبة، ويقف إلى جانبها زملاؤها من الذكور، فإننا نكتشف أن القضية أصبحت أوسع من الالتزام بالحجاب نفسه. لقد أصبح الدفاع عن حق الفتاة في حجابها تعبيرًا عن رفض الإكراه، وعن شعور مشترك بأن حرمانها من التعليم ظلم لا ينبغي السكوت عنه.
ولعل هذا يفسر لماذا لا تستطيع بعض القرارات الحكومية أن تحقق بسهولة ما يريده أصحابها؛ فهي تتعامل مع الحجاب بوصفه مظهرًا يمكن تغييره بقرار، بينما تتعامل معه الفتاة بوصفه جزءًا من إيمانها وشخصيتها، وقد يتعامل معه المجتمع بوصفه جزءًا من هويته وكرامته.
فهل تستطيع الدولة أن تهزم عقيدة شعبها؟
التاريخ يعلمنا أن السلطة تستطيع إصدار القوانين، وفرض العقوبات، وإغلاق الأبواب، لكنها لا تستطيع بسهولة أن تغير ما استقر في وجدان الناس من معتقدات وقيم.
وقد تنجح بعض الإجراءات في تغيير المظاهر مؤقتًا، لكنها قد تترك وراءها شعورًا بالظلم، أو تنقل التدين من ممارسة طبيعية هادئة إلى قضية صراع واحتجاج.
والسؤال هنا ليس عن قدرة الدولة على تنفيذ القرار؛ فقد تستطيع فرضه بالقوة. وإنما عن الثمن الذي تدفعه من رصيد الثقة والانتماء، وعن المكسب الحقيقي الذي تحققه بعد كل ذلك.
فهل المطلوب أن تكون المدرسة مكانًا للتعلم، أم ساحة لاختبار ولاء الأطفال لتصورات السلطة عن الدين والمجتمع؟
وهل تصبح الدولة أقوى حين تتسع لمواطنيها على اختلاف مظاهر تدينهم، أم حين تضيق بهم وتدفعهم إلى الشعور بأن عليهم الاختيار بين وطنهم وعقيدتهم؟
وبين هذين السرّين تقف صورة طفلة تبكي أمام باب مدرستها، ومعلمة تريد أن تدخل فصلها لتؤدي رسالتها، وزميلات يرفضن التخلي عن زميلاتهن، وأسر تتساءل عن المستقبل الذي ينتظر أبناءها.
ولعل هذا هو ما ينبغي أن تفكر فيه كل حكومة قبل أن تدخل في مواجهة مع المعتقدات الراسخة في وجدان شعبها.
فإذا كانت الدولة تخشى من حجاب فتاة صغيرة إلى هذه الدرجة، فهل المشكلة في قوة الحجاب، أم في هشاشة التصور الذي تريد الدولة فرضه؟
وإذا كانت الفتاة تتمسك بحجابها رغم كل هذه الضغوط، فما الذي استقر في قلبها وجعل غطاء رأسها أغلى عندها من كل هذه التضحيات؟
ربما يكون فهم هذا السر الثاني هو المفتاح الحقيقي لفهم السر الأول.
وهذا سؤال أخير يفتح أمامنا بابًا أوسع للبحث:
إذا كانت الأم تستطيع أن تنقل إلى ابنتها معنى الحياء والستر، وأن تغرس فيها محبة الحجاب قبل أن تتعلم تفصيلات أحكامه، فما حجم الدور الذي تؤديه المرأة المسلمة في المحافظة على الهوية الدينية للمجتمع ونقلها من جيل إلى جيل؟
وهل يمكن أن يكون هذا الدور التربوي العميق أحد الأسباب التي جعلت المرأة المسلمة وملابسها وتربيتها موضع اهتمام وصراع في مراحل مختلفة من التاريخ؟
هذا سؤال يستحق مقالًا آخر.



