20 وقفة إيمانية وتربوية حول الزلازل والبراكين والفيضانات

أب وأم وابنهما يتأملون الزلازل والبراكين والفيضانات في السماء ليلًا
أب وأم وابنهما يتأملون الزلازل والبراكين والفيضانات في السماء ليلًا
20 وقفة إيمانية وتربوية حول الزلازل والبراكين والفيضانات

هل الزلازل والبراكين والفيضانات أحداث طبيعية أم رسائل من الله؟

ماذا نقول لأبنائنا عندما تهتز الأرض أو تنفجر؟

كلما وقعت الزلازل أو البراكين أو الفيضانات أو الكوارث الطبيعية، أو كلما اهتزت الأرض، أو فاض نهر، أو انفجر بركان، أو اجتاحت النيران غابة، يتكرر السؤال نفسه: هل ما حدث مجرد ظاهرة طبيعية تحكمها قوانين الفيزياء والجيولوجيا؟ أم أنه عقاب من الله؟ وهل يصح أصلًا أن نقول إن «الطبيعة» هي التي فعلت ذلك؟

لم تعد هذه الأسئلة حبيسة الكتب أو مجالس العلماء. أبناؤنا يرون الكارثة لحظة بلحظة على شاشات هواتفهم: مبانٍ تتهاوى، وأطفالًا يُنتشلون من تحت الأنقاض، وأسرًا تبحث عن مفقوديها، ثم يقرؤون تحت الصورة نفسها تعليقين متناقضين: أحدهما يقول: «هذا غضب الله»، والآخر يسخر: «أين الله من هؤلاء الأبرياء؟».

وبين الصوتين يقف الابن أو الابنة، خاصة في مرحلة الرشد الناشئ، من الثامنة عشرة إلى قرابة الثلاثين، يبحث عن جواب لا يهين عقله ولا يجرح قلبه.

وهنا لا تكفي الإجابات السريعة.

لا نريد أن نربي أبناءنا على خوف مضطرب يجعلهم يرون العقوبة في كل غيمة، ولا على رؤية مادية مغلقة تجعل العلم يفسر الآلية ثم تتوهم أن الله لم يعد له مكان. نريد عقلًا يحترم العلم، وقلبًا يعرف الله، وضميرًا يرحم الناس.

ولهذا يحتاج حديثنا معهم إلى ثلاث ركائز متوازنة: علم يُحترم، ونص شرعي يُفهم لا يُلقن، ورحمة تُظهر لا تُدعى.

وهذه عشرون وقفة يمكن أن تساعدنا في فهم القضية وإجادة الحوار مع أبنائنا حولها:

1- حين تتحول أخبار العالم إلى أسئلة داخل بيوتنا

خلال السنوات الأخيرة شاهد العالم نماذج مؤلمة للكوارث: زلزال تركيا وسوريا في فبراير 2023، وزلزال بحر مرمرة قرب إسطنبول في 2025، والفيضانات والانهيارات الجليدية في منطقة الهيمالايا ونيبال، وحرائق الغابات في الجزائر وأستراليا وأمريكا، فضلًا عن الأعاصير والسيول والانهيارات الأرضية في مناطق مختلفة من العالم.

ولا يهم أبناءنا حجم الخبر فقط، بل المعنى الذي وراءه؛ حيث يسأل الشاب: لماذا حدث هذا؟

والإجابتان الأخطر هما: »لأن هؤلاء الناس أغضبوا الله «أو: »لا شأن لله بالموضوع؛ إنها مجرد صفائح تكتونية وأمطار ورياح. «

كلا الجوابين ناقص؛ الأول يدَّعي علمًا بمراد الله لم يمنحنا الله إياه، والثاني يحول السبب الطبيعي إلى فاعل مستقل عن خالقه.

2- لماذا يشغل هذا السؤال جيل زد بصورة خاصة؟

الشاب اليوم لا يتلقى تفسيره للعالم من الأسرة وحدها. إنه يحمل في هاتفه محاضرة دينية، ومقطعًا لعالم جيولوجيا، وآخر لملحد، وثالثًا لنظرية مؤامرة، ورابعًا لشخص يزعم أنه تنبأ بالزلزال قبل وقوعه، إنه جيل تربى على عبارة: «أرني الدليل«.

كما أن لديه حساسية أخلاقية عالية تجاه معاناة الضحايا؛ ومن ثم فإن خطابًا دينيًا يبدو شامتًا بطفل مات أو أسرة فقدت بيتها قد لا يقربه إلى الله، بل قد يدفعه إلى التساؤل عن صورة الإله التي نقدمها له.

ويعيش بعض الشباب كذلك قلقًا متزايدًا تجاه مستقبل المناخ والكوارث والحروب والأوبئة؛ ولهذا فإن حديثنا معهم ينبغي ألا يكون محاضرة تلقينية، وإنما حوارًا يجمع بين العقل والقلب والأخلاق.

3- هل الطبيعة تفعل شيئًا من نفسها؟

هذه أول نقطة ينبغي أن تكون واضحة.

عندما يقول عالم الجيولوجيا إن الزلزال نتج عن انزلاق مفاجئ على أحد الصدوع، فهو يصف كيف وقع الحدث، وعندما يقول عالم المناخ إن السيول نشأت عن أمطار غزيرة أو ذوبان جليدي أو انهيار صخري أدى إلى اندفاع المياه، فهو يصف الآلية الطبيعية؛ لكن وصف السبب لا يعني أن السبب أصبح خالقًا مستقلًا.

في التصور الإسلامي: النار تحرق، والماء يغرق، والجاذبية تجذب، والصفائح الأرضية تتحرك، لكن شيئًا من ذلك لا يملك إرادة مستقلة عن الله، قال تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [يس: 38].

إذن وجود تفسير علمي للظاهرة لا يلغي الإيمان بخالق النظام الذي تعمل من خلاله، العلم يبحث في الآليات والأنماط التي يمكن ملاحظتها وقياسها، والوحي يعرّفنا برب العالمين، ويوجهنا إلى معنى وجودنا ومسؤوليتنا أمامه.

4- الإسلام لا يطلب منا أن نقتل السبب باسم التوكل

من أخطاء التربية الدينية أن نقول للابن: «كل شيء من عند الله» ثم نستعمل هذه الحقيقة لإغلاق باب البحث والسؤال؛ نعم، كل شيء بقضاء الله وقدره، ولكن الله نفسه خلق عالمًا فيه أسباب ومقدمات ونتائج: قال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: 49]، وقال: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ [الرحمن: 5].

فالمؤمن لا يقول: ما دام الله هو الحافظ فلا حاجة إلى بناء مقاوم للزلازل، ولا يقول: ما دام كل شيء مقدرًا فلا حاجة إلى الإنذار المبكر أو خطة الإخلاء أو الإسعافات الأولية.

الأخذ بالأسباب ليس خصمًا للتوكل، بل جزء منه، والعلم لا ينافس الله؛ إنما يكتشف جانبًا من السنن التي أجرى الله بها هذا العالم.

5- هل قوانين الطبيعة ثابتة؟

الأصل في الكون الانتظام؛ ولهذا نستطيع أن نحسب موعد كسوف الشمس، ونتابع حركة الأعاصير، ونحدد مناطق النشاط الزلزالي، ونرصد البراكين، ونقدر احتمالات الفيضانات.

فالصفائح الأرضية تتحرك وفق أنماط معروفة، وتتراكم الضغوط عند الصدوع حتى تتحرر الطاقة على هيئة موجات زلزالية. والبراكين ترتبط غالبًا بحركة الصفائح أو بالنقاط الساخنة في باطن الأرض. والفيضانات تتأثر بالأمطار والتضاريس وشبكات التصريف وذوبان الثلوج والجليد وغير ذلك.

وهذا الانتظام هو الذي يجعل العلم ممكنًا أصلًا؛ لكن انتظام السنن لا يعني أن الله أصبح أسيرًا لها؛ فهو خالقها لا مخلوق بها، ومُجريها لا محكوم بسلطانها.

6- واضع السنن قادر على خرق العادة

جرت عادة النار أن تحرق، لكن الله قال لنار إبراهيم: ﴿يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: 69].

وجرت عادة البحر أن يبقى ماءً متصلًا، لكن الله قال لموسى: ﴿اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء: 63]، وفي قصة نوح جاء أمر الله وفار التنور، وانهمر الماء حتى كان الطوفان آية ونجاة للمؤمنين وهلاكًا للمكذبين، وجاء ميلاد عيسى عليه السلام من غير أب على خلاف السنة البشرية المعتادة في التناسل، آية على قدرة الله، وانشق القمر للنبي محمد ﷺ، وكان الإسراء والمعراج من أعظم الآيات.

إذن المعجزة ليست «خطأً في قوانين الطبيعة»، وإنما استثناء يجريه واضع هذه السنن سبحانه لحكمة يريدها.

7- هل كل زلزال أو فيضان عقوبة من الله؟

هنا تقع واحدة من أخطر الأخطاء؛ نعم، القرآن أخبرنا صراحة بأن الله عاقب أقوامًا سابقين بالريح والصيحة والرجفة والخسف والغرق؛ قال تعالى: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا﴾ [العنكبوت: 40].

لكن هناك فرقًا هائلًا بين أن يخبرنا الله أن قومًا بعينهم عوقبوا بسبب ذنب بعينه، وبين أن ننظر نحن إلى كارثة معاصرة ونقول بثقة: «هذه عقوبة لأن أهل هذا البلد فعلوا كذا».

الأولى خبر من الوحي، أما الثانية فادعاء لعلم الغيب، والأدب مع الله يقتضي ألا ننسب إليه مرادًا محددًا لم يخبرنا به.

8- الكارثة الواحدة قد تحمل معاني متعددة

ليس كل من أصابته المصيبة معاقَبًا؛ فقد تكون المصيبة لإنسان ابتلاءً، ولآخر تكفيرًا للذنوب، ولثالث رفعًا للدرجات، ولظالم عقوبة، ولمجتمع تنبيهًا إلى خلل أو فساد أو تقصير، وللناجين اختبارًا: ماذا سيفعلون بمن أصيب؟

قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: 35]، فالشر اختبار، والخير أيضًا اختبار.

والسؤال الإيماني الناضج ليس فقط: «لماذا حدث هذا؟»، وإنما كذلك: »ماذا  ينبغي أن أفعل بعدما حدث؟ «، وهنا ينتقل الدين من مجرد محاولة تفسير الحدث إلى صناعة الإنسان.

9- الضحية ليست دليلًا على غضب الله

هذه قاعدة ينبغي أن يسمعها أبناؤنا بوضوح: الموت في الزلزال لا يعني أن صاحبه مغضوب عليه، والنجاة منه لا تعني أن الناجي أفضل عند الله ممن مات.

بل أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن من الشهداء «الغريق» و«صاحب الهدم»؛ فكيف نجعل انهيار البيت على إنسان دليلًا على غضب الله، بينما يخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن صاحب الهدم قد يكون من الشهداء؟

كما قال صلى الله عليه وسلم: »مَا يُصِيبُ المُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلاَ وَصَبٍ، وَلاَ هَمٍّ وَلاَ حُزْنٍ، وَلاَ أَذًى وَلاَ غَمٍّ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا، إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ. «

إذن المصيبة قد تكون باب رحمة لا باب غضب، وهذا وحده كافٍ ليمنع ألسنتنا من الشماتة بالضحايا.

10- وماذا عن موت الأطفال والأبرياء؟

إذا قال لك ابنك: «إذا كان الله رحيمًا، فلماذا يموت الأطفال في الزلازل؟» فلا تهرب من السؤال، ولا تعاقبه لأنه سأله.

قل له: لا أعرف الحكمة الخاصة وراء موت كل إنسان وفي كل لحظة، ولا يجوز لي أن أدّعي معرفتها، لكنني أعرف أصولًا كبرى: أن الله لا يظلم أحدًا، وأن الدنيا ليست دار الحساب النهائي، وأن الموت ليس نهاية القصة.

قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: 2].

نحن نقيس الحياة بما نراه في سنوات قليلة، أما الإيمان فيضع أمامنا الدنيا والآخرة معًا، ووجود ألم لا نفهم حكمته كاملة لا يعني غياب الحكمة.

11- حين يصنع الإنسان جانبًا من الكارثة

من المهم أن نميز بين الخطر الطبيعي والكارثة البشرية؛ فقد يقع زلزال بالقوة نفسها في منطقتين، فتكون الخسائر في إحداهما محدودة وفي الأخرى هائلة. لماذا؟

لأن الخسائر لا تتوقف على قوة الظاهرة فقط، بل تتأثر أيضًا بجودة المباني، وكثافة السكان، والاستعداد، والإنذار المبكر، وطرق الإخلاء، وكفاءة مؤسسات الإنقاذ.

وكذلك الفيضانات: الأمطار سبب، لكن البناء في مجاري السيول، وإزالة الغطاء النباتي، وضعف شبكات الصرف، وسوء التخطيط قد يحول الخطر إلى كارثة أوسع.

ومن هنا نفهم بصورة أعمق قول الله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم: 41].

فالآية تقرر أصلًا واسعًا في مسؤولية الإنسان عن صور من الفساد وآثار أفعاله، ومن تطبيقاته التي نراها في حياتنا أن سوء قرارات البشر قد يزيد آثار الأخطار أو يقللها.

12- ماذا نتعلم من نيبال وتركيا؟

تكشف لنا فيضانات نيبال والانهيارات الجليدية في منطقة الهيمالايا أن الكارثة قد تكون سلسلة مترابطة: تغيرات في الجليد، ثم انهيار، ثم اندفاع ماء وصخور وطين، ثم تدمير طرق وجسور ومنشآت، ثم مأساة إنسانية.

وزلزال تركيا عام 2023 يعلمنا أن كلمة «زلزال» لا تعني رقمًا على مقياس القوة فقط، بل تعني صدعًا جيولوجيًا، وموجات زلزالية، ومبانٍ بدرجات مختلفة من المقاومة، وكثافة سكانية، وطرق إنقاذ، واستعدادًا أو تقصيرًا، ثم آثارًا اجتماعية واقتصادية ونفسية قد تبقى سنوات.

إن الله خلق الأسباب، والإنسان مسؤول عن الطريقة التي يتعامل بها معها، وهذا من أهم ما ينبغي أن يسمعه أبناؤنا: الإيمان بالله لا يعفينا من دراسة أسباب الكارثة، بل يجعل هذه الدراسة مسؤولية أخلاقية.

13- لماذا يخوّف الله عباده بالآيات؟

قال تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: 59].

والتخويف هنا لا ينبغي أن نفهمه باعتباره رعبًا يشل الإنسان، بل يقظة تخرجه من الغفلة.

يعيش الإنسان في بيته فيتصرف كأن الجدران لن تتحرك، ويخطط لعشرين سنة كأنه ضمن عمره، ويبني حضارة كاملة ثم ينسى مدى ضعفه؛ فتأتي بعض مشاهد الكون لتذكره: أنت قوي، لكنك لست مطلق القوة. تعلمت كثيرًا، لكنك لا تحيط بكل شيء. بنيت، لكن بنيانك ليس خالدًا.

الخوف الإيماني الصحيح لا يقود إلى اليأس، وإنما إلى المراجعة واللجوء والعمل.

14- الإيمان بسنن الله قاعدة تربوية كبرى.

من أهم المفاهيم التي ينبغي أن نربي عليها أبناءنا أن الله خلق عالمًا له نظام، وأسباب، ومقدمات، ونتائج؛ وهذا الإيمان يصنع إنسانًا مسؤولًا.

فلا تقل: «الله سيحفظنا» ثم تهمل معايير البناء، ولا تقل: «كل شيء قدر» ثم تتجاهل تعليمات السلامة، ولا تدعُ الله بالشفاء ثم ترفض العلاج الذي ثبت نفعه، ولا تطلب الرزق ثم ترفض العمل.

فالإيمان بالقدر لا يحول المؤمن إلى إنسان سلبي، وإنما يجعله يأخذ بالأسباب ثم يعلم أن النتائج بيد الله، ولا تنتظر المعجزة وأنت قادر على أداء واجبك.

15- هل الكوارث تذكّير بيوم القيامة

الزلزال الذي يحدث اليوم ليس «زلزال الساعة»، ولا الفيضان الذي نراه هو علامة مؤكدة على قرب نهاية العالم؛ لكن يجوز للإنسان أن يرى في اضطراب الأرض صورة صغيرة تذكره بما وصفه القرآن من أهوال القيامة.

قال تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ [الزلزلة: 1-2]، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج: 1].

فالمشهد لا يبرر لنا أن نعلن موعد القيامة، لكنه يستطيع أن يهز فينا وهم الخلود، ربما نحتاج أحيانًا إلى اهتزاز الأرض حتى ندرك كم تشبثنا بما هو زائل.

16- النبي صلى الله عليه وسلم علّمنا كيف ننظر إلى الظواهر الكونية

كان النبي صلى الله عليه وسلم حاضر القلب أمام الكون.

تروي عائشة رضي الله عنها أنه كان إذا رأى الريح أو الغيم ظهر أثر الخوف على وجهه، فإذا نزل المطر سُرَّ، لكن هذا القلب المتيقظ لم يتحول قط إلى الخرافة؛ فلما مات ابنه إبراهيم وكسفت الشمس يومها، قال الناس: كسفت الشمس لموت إبراهيم، وكانت فرصة سهلة لأن يترك النبي صلى الله عليه وسلم الناس يربطون الظاهرة بموت ابنه، لكنه صحح الفكرة فورًا: »إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته. «

وهذا درس بالغ القيمة لأبنائنا: أن ترى الظاهرة بقلب مؤمن لا يعني أن تنسب إليها تفسيرًا غيبيًا لم يخبرك الله به؛ فعين ترى الآية، وعقل يبحث عن السبب، وقلب يعرف الخالق.

17- نفرق بين الآية والخرافة

كثرة الحديث عن «الرسائل» في الظواهر الطبيعية قد توقع بعض الناس في الخرافة؛ فيزعم شخص أن شكل غيمة يعني أن كارثة ستحدث غدًا، أو أن رقم زلزال يطابق رقم آية ومن ثم فهناك حدث معين قادم، أو أن الحيوانات تستطيع تحديد موعد الزلزال، أو أن شخصًا على مواقع التواصل «تنبأ» بالكوارث كلها.

هذه ليست تربية إيمانية، انها تربية خرافية!، فالتدبر لا يعني اختراع الغيب، والإيمان بالغيب لا يعني تصديق كل مجهول.

علّم ابنك أن يسأل: من قال؟ ما المصدر؟ هل هذا خبر أم تفسير؟ ما صحة الخبر؟ هل هو احتمال أم يقين؟ هل الجهة المختصة تقول ذلك، أم أن صاحب الفيديو يبحث عن المشاهدات؟

وهكذا يصبح التفكير النقدي جزءًا من التدين، لا عدوًا له.

18- علّم ابنك أن يقرأ الحدث بلغتين

هذه ربما تكون أهم قاعدة تربوية نحاور بها أبنائنا: اقرأ الحدث بلغة العلم ولغة الإيمان معًا.

بلغة العلم نسأل: كيف حدث الزلزال؟ كيف تحركت الصفائح؟ ما سبب الفيضان؟ ما دور التضاريس؟ لماذا انهارت بعض المباني وصمدت أخرى؟ كيف نقلل الخسائر في المرة القادمة؟

وبلغة الإيمان نسأل: ماذا يقول هذا المشهد لقلبي؟ كم أنا ضعيف أمام قدرة الله؟ هل أعيش كأن حياتي مضمونة؟ ماذا فعلت بالنعم التي أملكها؟ ماذا ينبغي أن أفعل تجاه المصابين؟

لا تجعل ابنك يختار بين الله والعلم؛ قل له: العلم عندما يشرح كيف تعمل الجاذبية لا يخبرنا أن الجاذبية خلقت نفسها، وشرح حركة الصفائح لا ينفي أن الله هو خالق الأرض والصفائح والقوانين التي تعمل بها.

19- كيف تدير الحوار مع أبنائك؟

  • ابدأ بالمشاعر قبل المحاضرة؛ فحين يشاهد ابنك صور الضحايا، لا تبدأ بقولك: «هذا عقاب الله». اسأله: ماذا شعرت حين رأيت هذه الصور؟ دعه يتكلم
  • لا تحكم على الضحايا. قل له إننا نؤمن بأن الله قد يعاقب، لكننا لا نملك الوحي الذي يخبرنا أن هؤلاء الأشخاص بعينهم عوقبوا بسبب ذنب بعينه.
  • استخدم العلم جسرًا لا خصمًا. ابحثا معًا عن تفسير الزلزال أو الفيضان
  • فرّق له بين العقوبة والابتلاء، والتكفير، ورفع الدرجات والتذكير.
  • حول المشهد من جدل نظري إلى سؤال شخصي: ماذا لو وقع هذا عندنا؟ هل نعرف ماذا نفعل؟ هل لدينا خطة طوارئ؟ هل نستطيع تعلم الإسعافات الأولية؟ وكيف يمكن أن نساعد من أصيب؟ هكذا يتحول خبر الكارثة من فيديو مرعب إلى درس في الإيمان والعلم والمسؤولية.

20- لا تربِّ أبناءك على عقوبة الآخرين… بل على مراجعة النفس

هناك فرق بين أن تقول: »شايف ربنا عمل فيهم إيه؟«، وأن تقول: »شايف قد إيه الإنسان ضعيف؟ … وإحنا دورنا إيه؟«

الجملة الأولى قد تصنع قلبًا قاسيًا يراقب ذنوب الآخرين، أما الثانية فتصنع إنسانًا يتفكر في نفسه ويرحم الناس.

الكوارث قد تكشف أسوأ ما في الإنسان: الأنانية، والاحتكار، والشائعات، واستغلال المصابين، وتحويل آلام الناس إلى محتوى لجمع المشاهدات.

لكنها تكشف كذلك أجمل ما فيه: الإنقاذ، والإيثار، والتبرع، وإيواء الغرباء، والمخاطرة بالنفس لإنقاذ إنسان لا نعرفه.

ولهذا قل لابنك: أحيانًا لا نستطيع منع الزلزال، لكننا نستطيع أن نقرر من نكون بعد الزلزال، وحين يشاهد كارثة، علّمه أن يمر بأربع مراحل:

  • الدهشة: سبحان الله.
  • الفهم: كيف حدث هذا؟
  • التفكر: ماذا يقول لي هذا عن الله والكون والإنسان؟
  • المسؤولية: ماذا ينبغي أن أفعل؟

في النهاية: ماذا نريد أن يدرك أبناؤنا؟

  • الزلازل والبراكين والفيضانات أحداث طبيعية من حيث الآليات التي تدرسها العلوم، لكنها في الرؤية الإيمانية لا تعمل في كون مستقل عن الله.
  • الله خلق الكون، وأجراه على سنن وأسباب منتظمة، ومنح الإنسان عقلًا يستطيع أن يدرس جانبًا كبيرًا منها، وأمره أن يأخذ بالأسباب ويحفظ النفس ويعمر الأرض.
  • وفي الوقت نفسه لا ينبغي أن تتحول عقيدتنا إلى تفسيرات غيبية جاهزة لكل كارثة.
  • لا نعرف الغيب حتى نقول عن كل زلزال: «هذه عقوبة لهؤلاء«.
  • قد يكون الحدث ابتلاءً، وقد يكون تذكيرًا، وقد يكون تكفيرًا، وقد يكون عقوبة لبعض الناس، ورفعة لآخرين، وقد يكون امتحانًا للناجين: هل يرحمون أم يشمتون؟ هل يصلحون أم يكررون الخطأ؟

لذلك فإن السؤال الأهم ليس فقط: لماذا حدث هذا؟؛ بل: ماذا سيفعل هذا الحدث بنا؟ هل سنشاهده ثم نمر إلى الفيديو التالي؟ هل سيزيدنا خوفًا مشلولًا، أم علمًا واستعدادًا؟ هل سيدفعنا إلى الحكم على الضحايا، أم إلى الدعاء لهم ومساعدتهم؟

هل سيزيدنا شكًا لأننا لم نفهم كل الحكمة، أم تواضعًا لأننا أدركنا حدود معرفتنا؟

هذه هي التربية التي يحتاجها أبناؤنا؛ لا نريد إيمانًا يخاف من العلم، ولا علمًا يتكبر على الإيمان؛ نريد عقلًا يفهم السنن، وقلبًا يعرف رب السنن، ونفسًا ترحم الإنسان، وشخصية تتحمل المسؤولية.

قال تعالى:

﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: 190-191].

وهذا هو الهدف في النهاية:

أن نعلّم أبناءنا ألا يمروا على آيات الكون بعيون مفتوحة وقلوب مغلقة؛ بل أن يروا، ويفهموا، ويتفكروا، ثم يعملوا.

اترك تعليقاً