لماذا طلقني؟! سر رهيب افضى الي به الزوج الشاب لا يتعلق بزوجته الجميلة الشابة من أي طريق!عقدة نفسية، ليس لها عندي علاج؛ فانا لست طبيبا نفسيا، وفرق كبير بين الارشاد النفسي والطب النفسي، وكثير من المشكلات تحدث عند الخلط بينهما، فكثير من المشكلات تتضخم عندما يقوم المرشد بدور الطبيب، أو العكس ولهذا الموضوع حلقة اخرى من هذه المذكرات.جاءتني تتعثر في مشيتها، جميلة رقيقة، بنت ناس بمعنى الكلمة.مشكلتها تتلخص في كلمتين:تزوجت منذ شهور، وزوجي يريد الانفصال، وانا لا ارى سبب لا منه ولا مني، وهو يعترف بذلك!الحياة تسير بيننا طبيعية، بل أكثر من الطبيعية بشرطتين وهذا تعبيرها.الحياة كل الحياة!وفهمت ما تقصد دون أن أسألها؛ حتى لا أخدش ثوب الحياء المسدل عليها.وغنى العائلتين يوفر لنا كل أسباب الراحة – استمرت تحكي:وفجأة جاءني ينظر بين أقدامه، ويرجوني أن أساعده في تيسير موضوع الانفصال!وقامت العاصفة، وهبت عليه من كل اتجاه؛ حتى أمه وأبوه.ورفضت أنا الطلاق!وتدريجيا، بدأ هو ينفصل نفسيا ثم جسديا، ثم ترك البيت -كل البيوت_ وانقطعت كل صلة لي به الا التليفون الذي أحيانا لا يرد عليه أو يرد ردا مقتضبا جدا!لا أقول لك احبه او أهيم به، لقد عرفته يوم تقدمه لي ووجدت فيه كل المؤهلات التي ترتضيها فتاة محتشمة في زوجها كما وجدت فيه ما وعدني أن أحبه يوما ما، لكن كل ما في الامر أريد أن أعرف لماذا تزوجنا؟ ولماذا ننفصل؟!نعم كان زواجنا عادي وطبيعي، ولم تكن هناك مشكلات لا في خطبة ولا عقد ولا زواج، فعائلتينا استطاعا نزع فتيل أي مشاكل قد تحدث لمشروع جواز.فقط أريد أن أعرف لماذا؟لماذا أُطَلَّق؟بعد حوار طويل معه مني ومن جميع الأطراف، ورفض لكل الوسائل؛ من الطبيب النفسي الى السحر والجان والعمل، وحتى العلاج بالقرآن، وافق أخيرا على المستشار الأسري، ووقع اختيارنا عليك؛ لما علمت من بعض ثقته فيك.نظرت اليها وانا لا أكاد أراها؛ لثقل الغموض في قصتها، وقلت لها: خليه يزورني!!وجاء الزوج الشاب..لم أستطع وصف الفتاة لحرمة ذلك، ولكن يجوز أن أصف هذا الشاب - هيئة ومخبر وأخلاق - فهي لا تختلف عنه بل تفوقه بمراحل.كل شيء فيه جميل؛ هيئة وأسلوب وثقافة وعائلة وتربية.قال لي بحياء: ما المشكلة؟قلت له عابرا جسورا كثيرة: السؤال لماذا؟ولم يطل الحوار حتى أخبرني بالسر في حجرة مكتبي.واقتنعت.وعاهدته ألا يخرج سره عن حيز المكان (وأنا لازلت وفي لعهدي رغم مرور أكثر من 20 سنة على القصة)وأخبرني أنه بعد الطلاق سيختفي.لم يكن قد حدث حمل.قلت له أعطها حقها.لم يجادل، بل نظر لي نظرة المفتقد وهمس: هي تستحق أكثر.أصبحت مهمتي أكثر صعوبة، أصبحت المسؤول عن إقناع كل من حوله بوجهة نظره، وهو لا يسمح لي أن أقول حرفا مما قاله داخل حجرة مكتبي المغلقة.قلت للفتاة وهي تجلس مترقبة نتيجة لقائي معه: هل تثقي بي؟ قالت: أنا اخترتك.قلت كأني أنقل جبلا من مكانه: دعيه لحاله، ولكن خذي حقك كاملاثار أبوه أكثر من مرة في اتصال تليفوني بيننا، بل وتطاول واتهمني إني أشجعه.وأمه ايضا! وامها!!وكان قدري أن أصبر، رغم أن هذه ليست مهمة المستشار الاسري؛ فمهمة المستشار تنتهي بتقديم النصيحة والقرار لهما.واتصلت بي بعد اقتناعها ثقة بي واحتراما للعشرة، وقالت: إن أباه يفاصل في الحقوق.والحقيقة إن المبالغ كبيرة.ولكنه يقول: نحن لا نعلم لماذا يريد أن يتخلص منك، إلا أن يكون لشيء فيكي؟لماذا ندفع كل هذا المال في زواج فاشل؟قلت لها: اسمعي يا بنيتي، أنا أعلم أن هذه الأموال لا تمثل لكي شيئا، بل لا تمثل لأبيه شيئا، ولكن انصحك أن تتمسكي بحقك الى آخر الطريق، والا تتنازلي.قالت بصوتها الهامس: وأنا لا أنوي أن اتنازل، ولكن أرجوك كمل جميلك وساعدني في مواجهة أبيه.قلت لها مغامرا: دعي لي أباه (ولا أنسى أن أذكر أن هذه أيضا ليست من مهمة المستشار).واتصلت به، رغم علمي مسبقا باستحالة إقناعه، ولكن رفع الظلم من الشيم العزيزة.قلت له: يا سيدي ليست لي وظيفة تنفيذية، وليس لي قوة بفرض قرار، أنا صحيح مجرد مستشار، أغلق بابي بعد انصراف عميلي، ولكن في حالتكم هذه وجدت نفسي أندفع اندفاعا للتدخل بأكثر من وظيفة مستشار وجدت نفسي أمين على مستقبل شابين صالحين ارادا الحياة السليمة؛ أمين على فتاة صالحة ارتضت قرار زوجها وتفهمته أن أبقي لها بعض الثقة في الحياة والاحياء، وأمين على شاب صالح مظلوم مرهق كشف لي سرا لم يكشفه لأحد قبلي ولا بعدي (وأردت بهذا زفع زرقة قد تربح مع رجل أعمال يخشى كشف الأسرار).جادل الأب كثيرا وحاول أن يدفن رأسه في الرمال؛ فلم أجد بدا إلا أن أفتح له صفحة، بل سطر، بل نقطة على حرف من أسرار الماضي.فاستجاب.وبعدها زارتني الفتاة.سألتها هل أخذت حقك؟ قالت: نعم.ثم رفعت رأسها المجهد وقالت: بعد أن استلمت الشيك، ووقعت بالاستلام، لم أطق أن أضعه في حقيبتي، فأعدته إلى والده، وقلت له: فقط أريد أن أعلم لماذا؟لماذا طلقني؟!وكأن السؤال موجه إليَّ.قلت لها وأنا أجمع قوتي: المهم الآن ماذا بعد؟ فقط أذكرك بما يريحك لو تيقنت به.نظرت الي بلهفة الغريق فقلت: )وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا( [النساء130]أرجوكي اذهبي واعتدي عدتك وعودي لي بعد العدة.وعادت..قلت لها: أنت لديك الكثير من المؤهلات العلمية والعقلية والمادية، أريدك أن تجعلي موضوع الزواج أولوية متأخرة.أشارت بما يفيد انها لا تفكر.فاستكملت نصيحتي: عودي إلى دراساتك العليا، وجامعتك التي كنت تعدي نفسك لتكوني أستاذة فيها، نصيحة لا تتزوجي إلا إذا دق قلبك بالحب، والاقتناع الكامل بالطرف الآخر.أنت لست مراهقة، أو فتاة بلا تجربة، نخاف عليك من غدر الذئاب، أنت ناضجة واعية، وستتعرفين الفرق بين العلاقة الحقيقية الصادقة، والمزيفة، ثم إني مطمئن على خلقك ودينك.وذهبت..وتواصلت معي بعد أسابيع..لقد عادت لجامعتها، وتدرس أيضا إدارة الأعمال في جامعة أجنبية، و .... وكانت سعيدة وقد تخلصت كثيرا من ثقل التجربة، وبدأ الريش ينبت في جناحيها من جديد.وبعد شهور اتصلت بي، وقالت لي: جاءني عريس واشترط عليه أن يخطبني منك.قلت لها: هذا شرف لي أظنني أستحقه، ووالدك موجود، هو أولى.قالت: نعم وبعدك يلتقي بأبي.قلت لها: ألا تزوريني أولا.وجاءت..وقبل أن أدعوها للجلوس نظرت إليها وأشرت إلى قلبي مستفسرا..أشارت برأسها في خجلها المعهود الذي لم تزيله تجربة أن نعم.قلت: حقيقيقالت: نعمقلت: عرفتيه قصتك؟قالت: نعم، وبالتفصيل، وعرف دورك فيها.وبعد أن عرفت منها الحكاية، اتفقنا على أن يزورني.وقابلته..نعم؛ وجدته يليق بها اجتماعيا وثقافيا، بل وحتى اقتصاديا، ويعوض لها، إن شاء الله، ما ضاع.ووافقت بعد أن أبدى عجبه من إصرارها على موافقتي قبل موافقة أبيها.ولم يخف سعادته بوجود مثلي في العلاقة، ولمحت نضجه رغم أنه أول زواج له.وتأكدت من تفهمه لما مرت به.وللعجب لم يسألني السؤال التي لازالت هي تسألني عنه: لماذا طلقني؟حدثت هذه القصة منذ حوالي 20 عاما.تواصلنا بعدها قليلا، ثم انقطعت كأي عميل، وعدت لوظيفتي التي لها حدود وضوابط؛ (المستشار).وبعد سنوات قليلة، وصلني تليفون منها، تذكرني بنفسها، وتطمئني على سعادتها الغامرة مع زوجها، وفي حياتها العملية.وتحكي بعض الطرائف، وتضحك بشدة وتقول من بين ضحكتها: تصدق يا دكتور، أنني رغم أني تعافيت تماما بفضل الله، ثم فضلك وفضل زوجي، لا ذلت يأتيني خاطر يسألني:لماذا طلقني؟قلت لها في جدية قاطعة: اسمعي يا ابنتي.. أنت لم تطلقي، لقد انفصلتم بالتشاور، وتركت مستحقاتك برضاك نوع من الرضا على الانفصال.أما لماذا؟ فما أستطيع أن أجزم به لك؛ انه لا عيب فيكي ولا فيه، ولكن الله أراد لك حياة أفضل، وأراد له طريق آخر.همست بهدوء: الحمد لله.تنهدت بشدة بعد أن وضعت سماعة التليفون وهمست لنفسي: كم في الحياة من أسرار تملأ مذكرات المستشار.وإلى لقاء تالي مع صفحات من المذكرات... احجز استشارة