وهزمنا السحر والساحر!!!
قالت في حزن وهي تفرك كفيها: “انقلبت سلوكيات زوجي كـأنه إنسان لا أعرفه”.
لم يمر على زواجنا أكثر من عام، وقد رزقنا الله ابنتنا الأولى، تغير زوجي تماما وأصبح زائغ النظرات، يقوم من نومه مفزوعا، أشعر أنه يخاف مني، فإذا اقتربتُ منه فجأة، فزع مني وسألني: ماذا تريدين؟
سألته ماذا حدث لك؟ وبعد إلحاح؛ أخبرني أنه أحضر شيخا إلى البيت، قرأ القرآن، وأطلق البخور وأخبرني أن هناك سحر معمول لي في هذا البيت!!
سألته مترددة وأنا أقرأ الإجابة في عينيه: ومن الذي يعمل لك هذا السحر؟ وجدته قد انقلب تماما، وارتفع صوته، وأشار اليّ بحدة وقال: أنت…!!
وأمام عيني المفتوحتين بشدة حتى تكاد تبتلعه، قال في تردد: أنت أو أحد من أهلك!!
ثم بدأ ينهار فزعا، ويقول صارخا: حرام عليكم ماذا فعلت لك؟ لماذا تريدين أذيتي؟؟
حاولت أن أدافع عن نفسي بكل قوة، ولكن كانت دموعي وضعفي من بعد الولادة حاجزاً أمام قدرتي على الدفاع، حاولت أن أخبره أن من يفعل ذلك ليس رجل دين وإنما هو دجال، وأن ما قرأه ليس قرآن وإنما هو خلط بين الحق والباطل.
كان من الممكن أن آخذ موقف هجومي، وأقلبها غضب أنه يتهمني أو لا يثق بي أو…. أو، ولكن فضلت أن أقف جانب زوجي لا أن أطالب بحقي، إن زوجي مريض، ولابد أن أقف بجانبه حتى يشفى، ثم بعد ذلك لنرى ما لي من حق؛ فجئتك لتساعدني
بعد أن ثمنت موقفها ومدحت تصرفها العاقل المحب قلت لها:
– إن ما يقوله زوجك له دلالة على قلة الإيمان، وعدم الثقة بنفسه وبزوجته، إن زوجك تعرض لصدمة عصبية شديدة، أُرَجِّح أنها بسبب المسؤولية الجديدة التي أُلقيت عليه، مسؤولية رعاية انسان جديد، وأن هناك من أصدقائه من يوسوس له بشدة؛ أنك وولدك الجديد كارثة نزلت فوق رأسه، سوف تدمر حياته.
قالت من بين دموعها: لقد زادت المشكلة تعقيدا؛ لقد بدأ يرفض الطعام من يدي خوفا أن أكون قد وضعت له شيئا فيه، بل بدأ ينعزل عني، وتغيرت معاملته الى القسوة والشدة والصراخ، والولولة، والصد والهجران.
قلت لها: هل تواصلت مع أهله؟
قالت: نعم وتفهموا الموقف جدا، ووفقوني على حالته، ولكنهم لم يحاولوا أن يغيروا فيه شيء.
كان الصمت مليء بالدموع والبكاء، قلت لها: اسمعي يا ابنتي؛ زوجك مريض، والمريض لا لوم عليه، وأول وسيلة لحل المشكلة أن تخرجي انت منها تماما.
نَظَرت إليَّ في فزع وقالت: كيف؟
قلت: لا أقصد أن تنفصلي عنه، ولكن هو بالضبط ما فعلتيه الى الآن؛ ألا تعتبري نفسك طرفا في المشكلة، وأي شيء لا ترتضيه يصدر منه نحوك اعتبريه نوع من نتائج الألم الذي يعانيه، ويضطره أن يتحرك بلا وعي فيصطدم ببعض الأشياء حوله، أخرجي حقك وكرامتك ومكانتك من الموضوع أولا، ثم نبدأ العلاج، هل توافقين؟
أطالت النظر نحوي بعمق، ثم تنهدت طويلا وقالت: لقد أخذت تقريبا هذا الموقف من البداية، وأخاف أن لا أقوى على التحمل، ولكن أيا كانت العواقب فانا أوافق.
قلت لها: ان شاء الله أكون عونا لك على التحمل، والآن نبدأ العلاج
أريدك ألا تستنكري شيئا مما يقوله زوجك، وافقيه؛ ولكن أخبريه أنك مظلومة، وأنك تخافين الله، وأن هذا ليس أسلوبك
قولي له ما الذي ينقصني!؟ زوج، وبيت، وطفلة، وكل شيء، فلماذا أعمل السحر؟
فاذا لان لك فقولي له: سنتعاون لإزالة هذا السحر إن كان موجودا، وعندها أقنعيه أن يزورني للتعاون لإزالة السحر.
ومرت أسابيع كنت اتابعهما بملاحظات وتوجيهات خفيفة
كان أكبر همي أن تصله رسالة منها؛ أن أي تصرف يتصرف لا يؤثر على مكانته عندها، وأنها حريصة عليه كل الحرص.
كانت أوصيها ألا تطيل معه الجدال، فقط تغمره بعطفها ولينها
وجدته يوما يحضر أشياء، ويكتب أوراق ويضعها في الماء ويشربه، فعرفت أنه لازال يزور ذلك الدجال؛ فوصيتها أن تساعده في تنفيذ ما يفعل بكل سرور، وتفهمه أنه إذا كان هذا ما يخرج السحر فانا أول من سيساعدك.
وصيتها بإدارة سورة البقرة في البيت بصوت هادئ (قراءة التحقيق البطيئة، أو التدوير المتوسطة)، ومع تطور الحالة وبدأ استعادة ثقته بها وصيتها أن يجلسوا لقراءتها معا.
وصيتها ألا تنقل الى أحد حالته ولا تطورها، وأن تتفق معه أن يفهم كل من حولهم أنه تعافى.
نقلت لي أنه بدأ يثق فيها ويأخذ الأشياء من يدها ويحمل طفلتهما، وأخبرها انه لن يزور الدجال مرة أخرى بعد أن توقف عن شرب هذه الأشياء.
ثم أقنعته بزيارتي بعد أن حكت له استعانتها بي.
ثم جاءت لزيارتي بصحبته، وكانت ابتسامتها تملأ وجهها، وهو يتعثر في خجله، ويحمل طفلته الجميلة بين زراعية، ويضمها الى صدره بحرص شديد، رفع رأسه وهو يصافحني وقال في ابتسامة خجلة:
أنا متشكر جدا يا دكتور لقد أزلت عني السحر وأبطلت مفعوله الرهيب.
قلت له مبتسما: تقصد الوهم.
خفض رأسه ورفعها موافقا وقال: نعم وأي وهم!
قلت له: “فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ” [البقرة: 102]
ابتسم الزوج ونظر إلى زوجته السعيدة، واحتواها بعينيه في عناق طويل، وقال:
والفضل لله ثم لك ولزوجتي الحبيبة.
ابتسمت له في لوم وهي تهمس: المتهمة؟
نظر إليها في حب لم أرَ مثله في حياتي وهمس: أنا آسف
لقد بدأت زوجته الخطوة الأولى ولم تنتقل إلى غيرها، لقد اعترفت أن زوجها مريض، وانه لا يأخذ منها أي موقف شخصي، وهي خارج الموضوع تماما، ولذلك تحملت تماما كل ما يصدر منه نحوها، لقد تحملت كثيرا، ودارت بينها وبينه حوارات طويلة كلها محبة وإشفاق، وتقبل وقَبول، وتقدير لوهمه وما يفكر فيه، حتى بدأ يعترف لها بضعفه الشديد وخوفه الشديد بعد أن رزقه الله بأول طفل؛ حيث أن موقفه في العمل كان ضعيفا جدا في ذلك الوقت، ويشعر أنه لن يستطيع أن يوفر دخل يكفي مسؤوليات الحياة، مع حبه الشديد لتلك الطفلة الغالية، وخوفه الشديد عليها.
وبدأت أحواله تضطرب؛ من سرحان، الى كلام مع النفس، الى عصبية وإهمال في عمله، وبدا الأصدقاء يوسوسون له بالذهاب إلى دجال يعمل له حجاب، وتطور الأمر حتى جعله هذا الرجل لعبته، ووهمه بحكاية السحر وبدأ يستنزفه بشدة، ولكن استطاعت هذه الزوجة الصبورة أن تهزم السحر والساحر.
إنه الحب!
لقد أحبت بيتها وبنتها وحياتها، أكثر مما أحبت نفسها، فتنازلت عن قليل من الانتصار الوقتي لتكسب الكثير.
لقد أحبت ربها، ووثقت بعونه، ورضيت بقضائه، واستعانت به، فما خيب سبحانه وتعالى رجاءها.