مرض الإنترنت

مرض الإنترنت

نعم إنه مرض جديد قديم، أصاب الكثير من الرجال وعلى رأسهم المتزوجون..

لا حدود للمرحلة السنية للمصابين بهذا المرض، فمعظمهم من المتزوجين حديثاً، وأكثرهم من متوسطي العمر؛ ما بين الثلاثين والخمسة وأربعين، وكثير منهم ممن عبر مرحلة الأشد ودخل في مرحلة الضعف فوق الخمسين.

وباء قديم في أصوله؛ حيث انشغال الرجال بالنساء، جديد في أشكاله ووسائله وأسلوبه، كانت أعراضه ومظاهره من قبل تتلخص في إطلاق النظر في الطرقات والشوارع والمحال العامة وأماكن العمل، وكان يتطور ليصبح علاقة بسيطة أو عنيفة، وقد يؤدي في أضعف حالاته إلى الزواج مرة ثانية.

ولكن تطور المرض مع تطور جميع مناحي الحياة، وأصبح مرضاً إلكترونيا مثل فيروس الكمبيوتر، يظل كامناً فترة ما ثم تبدأ أعراضه في الظهور؛ يزداد الوزن وتنتفخ الأوداج ويعلو منحنى الرخاء (الكرش)، ويزيد السواد تحت الأعين، وتزداد آلام الركبتين وكثير من المفاصل.

قالت لي زوجة فاضلة: زوجي لم يكتف بالقمر العربي يوما ما، بل أصر على استقبال الأوروبي!! وأصبحت عدد القنوات أكثر من ألف قناة، وبين يديه كومة من أجهزة التشغيل (الريموت كونترول)..

واليوم ترك كل ذلك بعد أن أصبح كل شيء بين يديه على التليفون واللوح الرقمي.

سكتت الزوجة الفاضلة، ولكن لم تقوَ أخرى على السكوت!

قالت منفعلة: إنه يبحث عن شيء واحد على الانترنت!

وفهمت ما تعني وأظنكم فهمتم!!

وحول شكل آخر من أشكال المرض قالت لي أحد الزوجات: إنه يتعمد أن يتواجد في البيت وحده في كثير من الأحيان!! يطلب مني أن أمكث عند والدتي ويأتيني متأخر فاكتشف أنه في البيت..

قلت مسرعاً منزعجاً: وحده طبعاً، قالت لي في ابتسامة مرة؛ لا يأخذك ظنك لبعيد يا دكتور.. إنه مع النت!!

ويتطور المرض..

فبعد أن أصبح نظراً إلكترونيا، أصبح كالغول والنداهة، وأخذ يسرق الوقت، والجهد، والمال والصحة.

لقد أصبح الفيروس في جيب جاكته؛ في التليفون الذي يحمله معه طول الوقت.

قالت لي أحد الشاكيات: زوجي أصبح لا يقنعه أدائي، لقد أصبحت أرهق من محاولات التنويع والتشكيل والاستجابة لكل جديد يأتيني به من الانترنت.

وصرحت الأخيرة إنه أصبح مستعر الشهوة، رغم التأثير الشديد على صحته وأداؤه في الحياة، إنه كنهم لا يشبع.

هذه طائفة من شكاوى النساء، وهي عينات مما يمتلئ به بريدي أو تليفوني. وقد اكتشفت من تجميع هذه الشكوى أن هذا المرض بدأ يغتال البيوت، ويقوضها من أركانها.

هكذا انتشر المرض، وتعددت مظاهره، وتعاظمت أعراضه، وكانت هذه رسائل الكثيرات من الصابرات.

 أما غيرهن؛ فكانت مكالمتهن قصيرة، عبارة عن سؤال واحد: هل أنا مذنبة أني لم أستطع أن استمر معه، وأنا أشعر بخيانته لي مع كل هذا الكم من الصور العارية المتحركة والثابتة سواء في الانترنت أو على الشاشة؟

لقد فضلت الكثيرات هدم البيت على رأس أزواجهن المرضى بمتلازمة (الانترنت) على أن تهان كرامتهن وهن يشعرن أنهن مجرد وسيلة لا حياة فيها لتفريغ شحنات الشهوات التي سببتها غيرهن من الصور.

عاقلة واحدة اتصلت بي وتحدثت بهدوء معي ووصفت لي المرض القديم الجديد بكل وضوح وقالت بهدوء: لقد وقفت بجواره طويلاً وحاولت مساعدته.

بدأت بالخصام وإظهار القرف، ثم حاولت أن أشبع رغباته بقدر طاقتي.. انتهزت فرصة رمضان لأرحل معه إلى الله، حاولت أن أوقظه في الفجر رغم أنه كان ينام عند الأذان بعد رحلة طويلة مع أعراض المرض.

ثم قررت ملازمته والجلوس جواره باستمرار عندما تأتيه نوبات المرض سواء على الانترنت أو الشاشات..

كل هذا لم يجد معه، كان أحياناً يثور عليَّ، وأحياناً يتهمني، وكثيراً ما يراوغني مراوغة الصغار.

قلت له: تزوج أحسن لك!! إن ما أنت فيه هو الشذوذ بعينه، وكنت قد أدركت أن المرض قد أفقده لذة الاستمتاع الآدمي الطبيعي.

وأخبرته عن مدى صبري عليه، وعلى استعدادي للاستمرار من أجل أولادنا، ولكن لن أقوى مع وجود ذلك المرض اللعين (الانترنت) واستسلامه، بل واستمتاعه به.

صبَّرتها، وشكرت لها محاولاتها، وبدأت أضع خطة طويلة الأجل للعلاج.

ومرت الأيام، ورن تليفوني ذات يوم، وعلى الطرف الآخر كان صوته، يعرفني بنفسه في خجل!!

قال: لقد عدت للحياة مرة أخرى، وعادت لي زوجتي وأولادي، أشكر لك اهتمامك وصبرك.

سألته مبتسماً: هل تخلصت من (الانترنت)؟

قال في تلعثم: لا ولكننا اتفقنا على تشفير كل شيء، ووضع أقصى حماية على الإنترنت.

قلت له: وأنت موافق على ذلك؟

قال: هذا هو العلاج الوحيد لذلك المرض.

قلت له مداعبا: مرض (الانترنت)؟!

ضحك بمرارة وهو يقول: نعم مرض (الانترنت).

قلت له – في محاولة أخيرة لمساعدته على العلاج: أريد أن اخبرك أن الوسيلة التي استخدمتها مع زوجتك لأساعدها على الصبر على علاجك أنني جعلتها تخرج من المشكلة، ولا تعتبرها إهانة لشخصها.

قاطعني متلهفا: أنا أحب زوجتي يا دكتور، ولا أرغب أن أخرب بيتي، ولا أعتبر أن لها أي دخل في ما أفعله، فهي لم تقصر يوما ما.

قاطعته: وهذا ما أقنعتها به، وأضفت الى ذلك أن أخبرتها أن ما أنت فيه ليس خللا بينك وبينها، وانما هو خلل بينك وبين الله.

استمعت لأصوات دموعه فسكتُ حتى يهدأ.

وقلت له في النهاية: بموازنة بسيطة بين ما تخسره مع الله، وما تكسبه مع ما أنت فيه ستقدر حجم ما تفقده كل لحظة من حياتك.

لم أشأ أن يكون الحديث وعظيًا كله فبدأت مراجعة خطوات العلاج معه.

واستمر الزوجان في التواصل معي، واكتشفت في هذه المشكلة عظمة زوجة تخلصت من أنانية الانتصار للذات، وتحملت في سبيل إعادة زوجها الى بر الأمان الكثير.

حتى عاد.

تحديث:

للأسف! بعض الشكاوى بدأت تصلني من الأزواج، من إصابة زوجاتهم بهذا المرض، ولكن بأعراض أشد؛ حيث استولى على وقتهن وانتباههن، وشغلهم برجال من نوع آخر من متحدثي الذكاء الصناعي، وأصبح الأولاد لا يجدون أمهاتهم، لأنهن غائبات مع (الأنترنت).

اترك تعليقاً