لا تقع في حب العميل

لا تقع في حب العميل

“لا تقع في حب العميل”..

قاعدة مخابراتية، ولكنها أيضا قاعدة استشارية.

فحتى تكون محايداً في استشارتك؛ لا تقع في حب العميل.

تذكرت هذه القاعدة اليوم؛ حين جاءني عبد السلام.

مهذب، رقيق، يمتاز بتلك الروح التي يملكها كثيرٌ من أصحاب الجسد الممتلئ بعض الشيء، وواضح عليه أنه ميسور الحال.

وبدأ يحكي حكايته:

* تزوجت بطريقة الصالونات

فتاة جميلة رقيقة، تَعَجَّب كل من حولنا من سرعة تفاهمنا في أيام الخطبة القصيرة، حتى وصل الأمر للحب.

نعم يا دكتور أحببتها، بل قل عشقتها، احكي عن كل قصص الحب والغرام، فهي لا تساوي شيء أمام حبي لها.

وكانت أم كلثوم ساقي الغرام بيننا أرسل لها (إنت عمري) ترد (أمل حياتي).

أُشاغلها ب (سيرة الحب) تواسيني ب (يامسهرني).

ابتسمتُ لهُ وقلت: بقيت شاعر كمان!

استمر في حكايته: كل من حولنا كان يعجب منا!

قلت متسرعاً: وماذا حدث؟

فقد كنت قلقان عل ما يمكن أن يحدث لهذا الحب الكبير؛ وتذكرت (حب أيه) و(الأطلال)، و(ظلمنا الحب)، و(فات المعاد)، و(لسه فاكر)، و(هسيبك للزمن) وانتظرتهم منه!!!

قال من خلال ابتسامته التي لم تفارق شفتيه: أبدا….. تزوجنا!

وكنا أسعد زوجين في محيط العائلة.

وبعد خمس سنوات من السعي عند الأطباء، تأكدنا أننا لن ننجب.

لم يدعني أقاطعه، قال: وقد حني رأسه إلى الأرض: طلقتها.

قلت له فزعا: اآيييه!!! كان المانع منها؟!!

قال كأنه لم يسمعني: كانت لم تعبر الثلاثين عاما! كان لازم أسيبها تاخد قرارها بدل ما اسجنها مع رجل لا أمل فيه.

واختفت الابتسامة، كشحوب الشمس عند الغروب.

رأيت أصدق دموع يمكن أن تراها في عين رجل!!

وتمالك نفسه بسرعة، وعادت ابتسامته، ولكن ليست الأولى.

قال: لم يستمر طلاقنا ٢٤ ساعة.

لم تثُر، لم تتعصب، لم تبك.

كل ما فعلته أن استقبلتني كأول ليلة عرس، بل كانت أجمل، وفعلت معي كما تفعل أي زوجة تحب زوجها.

وقالت قبل أن تغمض عينيها لتنام: كده احنا مش مطلقين، الشيخ قال كده، روح عدِّل الأوراق، واوعى تعمل كده تاني.

احنا حبينا بعضينا قبل ما يكون عندنا أولاد، كل أولاد الدنيا أولادنا.

وقالت آية قرآنية عجيبة

تصور؛ قالتها بالمعنى، ماكانتش حافظاها، ولا أنا كنت حافظها.

للأسف كنا بعيد شوية عن القرآن

برقت عيناي وأنا انتظر الآية منه ولو بالمعنى

فقال بنطق قرآني سليم:

لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَٰلِكَ أَمْرًا

اتسعت ابتسامته وقال: كنا ما بنعرفش نقولها كده، ولكن الحمد لله كانت هذه الآية فاتحة خير علينا.

اتفقنا إن معنى إن ربنا يحرمنا من الأولاد فأكيد محضر لنا حاجة كبيرة قوي.

وبدأت الرحلة وحطينا كل طاقتنا اللي كنا محضرينها لولادنا في حفظ القرآن، إتعلمنا التجويد وبدأنا الحفظ، وفي سنتين ختمنا معا القرآن حفظا.

لم أستطع ان أحبس مشاعري، ولكن كي أحبس دموع تحاول الخروج فرحا بهما غيرت الموضوع وقلت له:

* والآن ما هي المشكلة؟

نظر إلىَّ معاتبا، فكان يرتاح جدا لمجرد أن يحكي، وقد أخرجته من ذكرياته، فقال:

* كان هذا منذ خمس سنوات، عشت فيها ملكاً متوجاً في بيته، وهي الملكة … لكن يا للأسف مملكة بلا شعب!!

ابْتَسَمَ بمرارة لنكتته وقال:

* المشكلة الآن أنني أشعر نحوها شعور الأب الذي كبرت ابنته، وسوف يفوتها قطار الزواج.

ثم قال ببساطته العجيبة: أرجوك سأُحضرها لك وتقنعها بالطلاق.

وأنا أعِدها أمامك أن أكون لها خير صديق، بل خير أخ، أنا مش هتجوز، مش ناوي أظلم واحده تانيه معايا.

وعادت دموعه!!

ثم قال بسرعة وكأنه جاءته فكرة: ولا أقولك، هي تتجوز وتبقى أم، وأنا أتجوز واحدة عندها عيال، وكلنا نتهنى!!

طبعا لم تنته القصة عند ذلك؛

فقد أقنعته بأنه أعطاها ما يكفي للاختيار الكامل، وهي اختارت برغبتها، وأنهم يجب أن ينتظروا ما سيفعله الله بهم حسب الآية، والتجارب حولنا كثير.

ثم أن من الظلم أن تجبرها على ما لا تريد، فما دامت متمسكة بيك، فمن حقها أن تحتفظ بيك، وهي لا تؤذيك في شيء ولم تحرمك من شيء.

أقول لك، انها تحصل من حبك وإخلاصك لها، وغمرها بحنانك الفياض، أضعاف ما كانت تأخذه من أولادها، المهم عاهدني ألا تخزلها أبدا

أسرع بمعاهدتي وكأنه يلوموني أن أفكر في ذلك، ولكنه ظل مُصِر على خوفه من تقدم الزمن، وأن تفقد فرصتها في الإنجاب.

وانصرف وأنا أظن أنه اقتنع.

لم يتواصل معي بعد ذلك.

ولكنه تركني وأنا أُخَالف أهم قاعدة من قواعد الإرشاد:

“لا تقع في حب العميل”

لقد أحببت عبد السلام..

وزوجة عبد السلام.

اترك تعليقاً