علموا أولادكم الشورى
عندما وقعت في الفخ!
لاحظت حركة غير عادية في منزلي وجو غريب يسوده الصمت والغموض، على غير العادة..
قلت: لعله أمر طبيعي فهكذا بناتي كسائر بنات جلدتهن لهن في كل لحظة حال ولهن دائماً موضوعات تشغل بالهن.
ثم وبعد قليل تقدمت إلى ابنتي الوسطى ذات الإثني عشر عاماً والتي تبدو عليها الحيرة
قالت: أبي، نريد أن نسألك سؤالاً هاماً: ما معنى الانتخابات؟ وما فائدتها؟ ولماذا نشغل أنفسنا بها؟!
فرحت بشدة لقد أثمرت مقالاتي عن الشورى الكثير.
انتبهت في جلستي متأهباً أن ألقي على ابنتي درساً من دروس الفهم الصحيح للدين وارتباطه بأمور الدنيا، وأغرس فيها معنىً عملياً من معاني الإيجابية وحب الوطن.
وأجبتُ قائلاً: إن الانتخابات هي المسمى العصري للنظام الشورى الإسلامي في مجال الحكم، يقوم بمقتضاه الرعية (المحكومين) باختيار الراعي(الحاكم) عن طريق إبداء الرأي بأسلوب متفق عليه حتى يتم اختيار أفضل الآراء وأكثرها اتفاقا.
فسألتني: وإن لم يحدث إجماع؟
فأجبتها: العبرة بأكثر الآراء اتفاقاً وعلى الباقين الاستجابة لرأي الأغلبية والخلاف أمر طبيعي، وعلى الإنسان أن يدرك أدب الخلاف؛ فمثلاً النبي صلى الله عليه وسلم عندما استشار أصحابه في غزوة أحد في أمر الخروج من المدينة لملاقاة المشركين، منهم من أيَّد الخروج وهم الشباب ؛ اندفاعا من حماسهم ورغبة في إرهاب المشركين وكي لا يظن المشركون أنهم جبنوا، ومنهم من أيَّد البقاء وهم الشيوخ ؛ لأنهم كانوا ينظرون للأمر من جانب الحكمة والخبرة ومراعاة ظروف الإمكانيات، وكي تكون المدينة ظهراً وحصناً للمسلمين، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يميل للتحصن بالمدينة ومع ذلك استجاب لرأي الأغلبية وهو القائد الأعلى وصاحب الوحي، ورغم كل ما حدث لم يؤدي ذلك إلى خلاف.
فعاجلتني ابنتي المتأهبة بسؤال آخر: وما الفائدة من كل ذلك؟
أليس في ذلك مضيعة للوقت؟
والنبي صلى الله عليه وسلم أكيد يعلم صالحهم وما يضرهم وما ينفعهم؟
فأجبت مصححا المفاهيم: يا ابنتي إن الشورى حق وواجب والانتخابات وسيلة لتحقيقها، وقد أمر الله تعالى بالشورى.
حيث بيَّن أنها من أخلاق المؤمنين حيث قال: )وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ( [الشورى:38]
وأمر – سبحانه وتعالى – بها الحاكم وبين له أهمية الرفق واشاعة جو من الأمن والطمأنينة حتى تنجح عملية الشورى فوجه نبيه صلى الله عليه وسلم كحاكم وقائد وقال:
)فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ( [آل عمرن: 159]
كنت أرى في عيني ابنتي شيء غريب لم أسترح له، ولكني استمريت في الشرح والتوضيح
وكذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم المؤمنين حيث قال: «لا تَكُونُوا إِمَّعَةً تَقُولُونَ إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَحْسَنَّا وَإِنْ ظَلَمُوا ظَلَمْنَا» (رواه الترمذي)
وكان صلى الله عليه وسلم أكثر الناس استشارة وهو ينزل عليه وحي السماء كما أخبرت ام المؤمنين عائشة رضي الله عنها.
فالراعي من حقه أن يجد من يعينه على الأمر إن أحسن وينصح له إن أساء فالكل في سفينة واحدة إن حدث بها خرق غرق الجميع كما أوضح النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أصحاب السفينة : « فَإِنْ أَخَذُوا عَلَى يَدَيْهِ نَجَا وَنَجَوْا وَإِنْ تَرَكُوهُ هَلَكَ وَهَلَكُوا».
لاحظت أن البنات والأولاد قد اجتمعوا حولي في صمت وابتسامة ماكرة تعلو شفاه البعض منهم ويستمعون لحواري مع اختهن التي سألتني: ولكن هل الشورى فقط في اختيار الحاكم أو القائد ثم بعد ذلك يفعل ما يريد؟
قلت لها: إن الشورى يا ابنتي منهج حياة يبدأ باختيار القائد ويستمر كأسلوب قيادة يستشير فيه القائد من حوله فلا يهمل صغيرة أو كبيرة، وأي قائد يحتاج الشورى ولو كان أحد لا يحتاجها لكان النبي صلى الله عليه وسلم الذي يوحى الله إليه من السماء ورغم ذلك يأمره )وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ( .
اتسعت ابتسامة البنات بشدة .. ولكن لم ألقى بالاً فقد انسحبن كلهن منصرفات.
الفخ!!
لكن ما هي إلا خطوات حتى استدارت الوسطى إليّ وعادت قائلة:
أبي، كنا نود أن نتشاور معك في أمر قضاء الإجازة أنا اقترح..
وقبل أن تكمل أرسلت إليها ردي منزعجاً
لا.. لا.. لا.. أمر الإجازة لا حوار فيه ولا استشارة أنا حددت حاجات أنا متأكد أنها ستفيدكم!!!!
ولم أكمل كلامي فقد استوقفني مشهد من مشاهد السينما الصامتة كانت فيه كل واحدة من بناتي وكل واحد من الابناء يعبر فيه عما لا تفي الألسن بالتعبير عنه؛ فمنهم من يحملق، ومنهم من يرسم علامة تعجب في كل قسمات وجهه، ومنهم من يجهز نفسه لمرافعة ينوب فيها عن لجنة الحريات بنقابة الصحفيين.
حتى الصغرى التي لم تتعد خبرتها على صفحة الحياة ثلاث سنوات كانت تبتسم ابتسامة هزلية كأنها تشاهد مغامرة شقية من مغامرات توم وجيري، وللأسف كان موقفي فيها على غير العادة سيئاً للغاية.
وأخيراً قطع هذا المشهد الصامت سؤال إحداهن باستهجان:
أبي لم لا تكتب مقالاً بعنوان علموا أنفسكم الشورى؟
ففهمت أنني ابتلعت الطعم، ووقعت في الفخ الذي يقع فيه الكثيرون عندما يعطون جرعة حرية لمن حولهم وهم لا يدركون أنهم متعطشون لها.. وأنه أول من سيقيد بتلك الحرية!
ابتسمت لأولادي وبناتي وقلت لهم في هدوء:
سوف استمع إليكم.
جلسوا حولي مستشعرين طعم النصر، وأثناء الحوار كانت رسالة تضيء داخلي تقول:
حتى نحصل على الشورى التي جعلها الله حقا من حقوقنا لابد أن نبدأ من بيوتنا ومن علاقاتنا.
أقول لكم:
- علموا أنفسكم الشورى
- وتخلقوا بخلق الشورى
- وتدربوا على مهارات الشورى
- وتعلموا كيف تعطونها للآخرين
- كما تعلموا كيف تحصلون عليها.
- ولا تسمحوا أبدا أن يؤذى أو يضار أحد لأنه قال رأيه.