بتعرف تبوس!!!!
جلس أمامي مبتسما يبدو عليه الارتباك..
- الموضوع محرج شوية يادكتور فياريت حضرتك تصبر عليَّ..
- اتفضل سامعك، ومافيش أي إحراج..
- خطبت بنت طيبة وبنت ناس، من قرايبي البعيد شوية، رضيت منها أخلاق وتدين وعقل، كانت الاتفاقات بسيطة، لدرجة إني شكّيت وسألت نفسي وبعض الأصدقاء: همه مسهلينها قوي كده ليه!؟
ومرت أيام الخطبة حوالي شهرين، وبدأنا في الإعداد لكتب الكتاب..
- مين اللي كان عاوز يكتب الكتاب؟
- الحقيقة احنا الاتنين، بصراحة انا ميلت ليها جدا، كانت خجولة قليلة الكلام، هادية جدا محافظة على عبادتها واحتشامها، وكان البيت كله يتميز بالسكينة والوقار، لكن قلقني شوية انهم استجابوا لكتب الكتاب بسرعة.
- أنت كنت عاوز تكتب الكتاب ولما عرضته عليهم وافقوا بلا اعتراض؟
- نعم… وده قلقني شوية.
ابتسمت بهدوء وقلتله: عظيم وبعدين؟
بدأ يتململ في كرسيه وينزل عينه فلا ينظر إلىَّ، ويفرك كفوفه ثم همس وهو يلفت حوله:
- حضرتك عارف ان بعد كتب الكتاب في شوية ممارسات.. يعني…
أخرجته من إحراجه وأنا أقول بجدية:
- طبيعي.. المهم بالضوابط الشرعية.
- بالضوابط طبعا؛ لكن هنا حدثت المشكلة.
- المشكلة!!
- نعم.. اكتشفت حاجة قلقتني قوي يا دكتور.
فتحت عيوني بشدة وأنا أسترجع بسرعة حواري معه فأكمل:
- غير أنها استجابت لي بسرعة، وما أظهرتش أي ممانعة، اكتشفت… اكتشفت انها بتعرف تبوس!
- إيه!!… بتعرف إيه؟
- بتعرف تبوس! …يعني ذي بوسة السيما كده.
لم يكن موقعي يسمح بأي انفعال أو رد فعل ساخر فلبست وجه الجدية وسألته بهدوء:
- وده معناه إيه؟
لم أتوقع رد فعله، فقد صرخ وأشاح بيده وقال:
- معناه إنها خبرة… أنا… أنا بفكر أصرف نظر.
- يعني إيه تصرف نظر؟
- أطلقها …. أنا بقيت مش عارف أنام من الشك.. أنا بتخيل حاجات فظيعة، على فكرة أنا طيب قوي يا دكتور.. وماليش تجربة إلا اللي بشوفه على الإنترنت وبتابعه في مواقع التواصل، أنا وحيد ماليش اخوات، وأمي وأبويا طيبين قوي… أرجوك يادكتور.. أنا خايف أقع في مصيبة ماعرفش أخرج منها.
بدأت أهدئه فقد انفعل بشدة وريقه نشف، أعطيته ماء ليشرب، وقمت من على المكتب وجلست أمامه، نظرت في عينيه بقوه فأخفض رأسه ليتفادى النظر في عيني، تكلمت بصوت هادئ عميق:
- في حاجة تاني بتشك فيها غير إنها بتعرف تبوس؟
- وإنها استجابت لي بسرعة.
- وطبعا بدأت تلاقي إجابه لتساؤلاتك؛ إيه سهلوا الاتفاقات؟ وليه استجابولك بالتسريع في كتب الكتاب؟
- نعم … وشوية حاجات تاني؛ لكن مش مهمة.
اتعدلت في جلستي وتقدمت إلى الأمام، وانحنيت أنظر في عينيه وقلت بجدية:
- اسمع يا أستاذ (….) أنا متأكد انك منتظرني أقولك إن كل اللي أنت فيه ده أوهام.. علشان تعترض عليَّ وتجادل وتحاول تثبتلي أنها مش أوهام ودليل على إنك منتظر أقولك كده إنك لجأت ليَّ، فلو كنت متأكد من شكوكك ماكنتش استنيت تشور حد.
لم أنتظر تعقيبه على كلامي، كما أنه كان ينظر إليَّ مستزيدا، كأنه موافق على ما أقول..
استمريت في الحديث دون توقف:
- كونها بتعرف أو ما بتعرفش، أنا مش عارف إيه المقياس اللي بتقيس عليه؟ وانت أصلا مالكش تجربة!
- أنا بشوف اللي بتعرف من اللي مابتعرفش في الإنترنت.
- دي واحدة، التانية: ليه اتهمتها إنها خبرة لمجرد أنها بتعرف؟
- استجابتها دون ممانعة..
- ده مش دليل، بل ممكن العكس؛ أيوه معظم البنات بيمانعوا، لكن بعض البنات الطيبات السذج بتسمع كلام أصحابها اللي بيوصوها تستجيب لعريسها علشان يتعلق بيها أكتر، فممكن تكون استجابتها للسبب ده.
- ممكن.. وخاصه انها ما بتستجبش قوي.. طيب وإنها بتعرف.
- اتعلمت من نفس المصدر اللي انت اتعلمت منه.
- بس …أنا…
- إنت أيه؟ … الثقافة دي بقت منتشرة جدا على النت بالصورة والمقال والشرح، وسهل جدا أي حد يوصلها.. وانت أكيد اتعلمت علشان ما تبانش عبيط قدام زوجتك.. وهي برضوا تعلمت علشان ترضيك.
- ممكن….
- رجعت للخلف في الكرسي وبدأت لهجتي تشتد:
- وطبعا كل اللي انت فيه ده كلام فارغ، ولولا إني مش عاوز أوهمك كنت قلتلك روح لطبيب نفسي، لإنك لو استمريت على أسلوب الشك ده هيتحول لمرض الوسواس القهري.
- يعني ما اغرش يا دكتور؟
- الغيرة شيمة حسنة في الرجال؛ المشكلة أن اللي انت فيه ده مش غيره، ده شك منهي عنه، فالغيرة نابعة من الحب والخوف على الشريك، لكن الشك نابع من انعدام الثقة وتدمير العلاقة، الشك مرض يقتل الحب، ولو استمر فيك هتدمر حياتك الزوجية، والمصيبة ان منبع الشك ضعف الثقة بالنفس، ومظهره الأساسي التفتيش عن أخطاء وتفسير التصرفات الطبيعية بسوء نية.
سكت وأنا انظر إليه اقرأ تاثير كلامي عليه، فوجدته ساكتا ينصت باهتمام، قلت له:
- ما رأيك؟
انتبه من تفكيره العميق وقال كأنه يحدث نفسه:
- شك.. مستحيل.. أنا اشك فيها؟ يمكن غيرة زيادة شوية.
- الرسول عليه الصلاة والسلام بين لنا فرقا واضحا بين الغيرة والشك فقال: “إنَّ منَ الغَيرةِ ما يحبُّ اللَّهُ عزَّ وجلَّ، ومنها ما يُبغِضُ اللَّهُ عزَّ وجلَّ، فأمَّا الغَيرةُ الَّتي يحبُّ اللَّهُ عزَّ وجلَّ: فالغَيرةُ في الرِّيبةِ، وأمَّا الغيرةُ الَّتي يبغضُ اللَّهُ عزَّ وجلَّ: فالغَيرةُ في غيرِ ريبةٍ.”
فالغيرة المحبوبة عندما يكون هناك وضع مريب عليه دليل واضح، يتعدى الحلال المباح؛ كأنه يكون سلوك زوجتك غير مرضي، خاصة في وجود الأغراب من الرجال.
والغيرة البغيضة هي القائمة على مجرد سوء الظن، وعلى الشك والوسواس.
كانت نظراته تدل على القناعة، مما شجعني على أن أطرح حجتي الأخيرة:
- وبعدين لاحظ من الأول الموضوع متعلق بيك وموضوع الشك ده واضح في شخصيتك، والدليل لما الناس سهلولك وقللوا الطلبات قلقت! ولما استجابوا ليك وقدموا كتب الكتاب قلقت! ولما عروستك عبرتلك عن حبها ليك، واستجابة لإرضائك، وحاولت تجود قلقت!
- كان قد وصل إلى مرحلة عالية من الاستجابة والاقتناع فقال في رجاء.
- طيب والحل يادكتور؟ أنا فعلا كده قلوق جدا، حتى في شغلي وعلاقاتي، زي ما قلتلك أنا وحيد والدي، وهما طيبين قوي عمرهم ما رفضولي طلب.
- خلاص انتهت المرحلة دي، وانت الآن في سن الرشد، يعني مرحلة تطوير عاداتك، واكتشاف قدراتك، ومراجعة كتير من اللي اتربيت عليه.
- ما تعلقش أي تصرف ليك على تربيتك ولا بيئتك، مادام عرفت الخطأ وحسيت انك مش راضي عنه تقدر تغيره.
- وأهم حاجة ترجع تستمتع بزوجتك، وتشيل من دماغك أي فكرة أو ظن سيء، وتحمد ربنا على النعمة، لأن كتير من شكاوى الأزواج من عدم استجابة الزوجات ليهم لدرجة البرود.
- والرسول عليه الصلاة والسلام حثنا على الاستمتاع الكامل بالزواج وتبادل هذا الاستمتاع فقال “أفلا بِكرًا تلاعبُها وتلاعبُكَ”، وقال “حتَّى تَذوقي عُسَيلَتَه ويَذوقَ عُسَيلَتَكِ”.
وجدته يبتسم خجلا ويحمر وجهه..
أدرت الحوار في جهة أخرى، لأني شعرت أنه هدأ وخمدت ظنونه.
وبعد أن انصرف رأيتني أكتب لكل فتاة:
إن مرحلة العقد أو كتب الكتاب تختلف في الممارسة الزوجية عن البناء أو الدخول، نعم العقد يحل الكثير مما كان محرما، ولكن ما لم يتم الزواج فما زلت في إذن أبيكي؛ فلا تتمادي في العلاقة، واحتفظي بالكثير ليوم الدخلة.
ونستأنس بتلك القصة يوم زواج فاطمة من علي رضي الله عنهما قال رسول الله لعليّ: “لا تحدثن شيئًا حتى تلقاني”، فمكثا حتى جاء النبي صلى الله عليه وسلم فدعا بماء فتوضأ منه ثم أفرغه على عليّ وقال: “اللهم بارك فيهما وبارك عليهما وبارك لهما في نسلهما”.
فإذن الأب محترم ولابد أن نحترمه.
هذه واحدة..
والثانية: اتخذي من زوجك أستاذًا، واطلبي منه أن يدلك على مواطن الجمال في العلاقة، واجعلي مبادرتك محسوبة، وتدرجي في كشف ما عندك من مهارات.
أعلم أن نيتك طيبة، ولكنهم الرجال كما خلقهم الله!