من أنفسكم!!

من أنفسكم!!

قال لي صاحبي المقبل على الزواج: أحياناً أقف أمام قوله تعالي: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا [الروم:21]، متعجباً.. خاصة عندما أجد تلك المشكلات بين الأزواج، والتي تصل أحياناً إلى الفرقة ليست الآمنة، ولكن المدمرة!

قلت له: ولماذا يأخذك العجب؟ هل من الآية أم من التطبيق؟

قال: في النهاية؛ وحتى لا أخوض في القرآن بغير علم، أصل إلى نتيجة؛ أن هذه المشكلات وتلك التفجيرات سببها خطأ عند الاختيار، أدي إلى أن كل واحد منهما اختار الطرف الآخر الذي ليس من نفسه.

ابتسمت متعجباً من فكرة صاحبي، ولكن استدركت قائلاً: معني ذلك أن كل زوج يقع في مشكلة مع زوجته، يستشعر الغربة النفسية معها أو العكس..

قال صاحبي: أظن ذلك، فإن الإنسان لا يخاصم نفسه، ولا يكرهها، ولا يتشاجر معها، ولا يطلقها أو يطلب الانفصال عنها..

أردت أن استمر مع صاحبي الفيلسوف إلي أخر تأملاته… وقلت له… ولكن ما تقوله هو قمة التفاهم مع النفس، والتي سماها القرآن النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ،  إلا أن الله تعالي ذكر أيضاً النَّفْسِ اللَّوَّامَةِ.. و….

وقف الكلام على لساني متأرجحاً وأنا أرى تلك النظرة الفزعة في عين صاحبي المقبل على الزواج، وهو يصرخ: يا خبر أبيض! يعني ممكن الواحد يتزوج نفس أمارة بالسوء.

ابتسمت ضاحكاً من تعبير صاحبي، ثم قلت له بهدوء:

في البداية لابد أن نفهم معني النفس في هذه الآية وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا  يعني منكم، ومن جنسكم كما بين المفسرون، فزوجك أو زوجتك بشر مثلك، ليست من كوكب آخر، أو فصيل مختلف، أو كائن غيرك يحتاج ترويض واستئناس.

وفهم المعني هكذا يحل مشكلتك حول الاختلاف رغم تطابق النفوس، ولكن رغم ذلك أعود لأستعيد تشبيهك اللطيف للعلاقة بين الزوجين بعلاقة الإنسان مع نفسه، حتى تصبح علاقة مطمئنة أو قائمة على التلاوم والتلاؤم، أو التآمر بالسوء.

وأيضاً عرف المفسرون النفس في هذه الحالة بالقلب، والذي يعني مجموعة الحاجات والرغبات ونواتج التربية والبيئة المحيطة التي كونت تلك النفس، وعلى هذا؛ فعندما تتصاعد المشكلات بين الزوجين الذين قال الله عنهما أنهما من نفس واحدة هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا [الأعراف: 189]، ليس سببها اختلاف النفوس إنما اختلاف النفسيات.

إنه إذا كان الهدف الأساسي لكل طرف في البيت هو تغيير الطرف الأخر لصالحه، فإن ذلك هو الفشل الزريع، وأن ذلك لا يفي أبداً لتحقيق قوله تعالي: مِّنْ أَنَفُسِكُمْ  أومِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ  .

فليكن الهدف هو فهم النفسيات، ومعرفة جوانبها.. ومحاولة التأقلم معها، وإدراك العوامل التي يستطيع كل طرف أن يستخرج بها أفضل ما عند الآخر..

وأعود فأستعير تأملاتك القرآنية يا صديقي، وأستهدي بقوله تعالي: وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا [الشمس:7-9]

فإدراكنا أن أي إنسان يحتوي قلبه على بذرتي السلوك (الحسن والسيء)، وأن تنمية أحد البذرتين سيؤدي إلى نموها على حساب الأخرى، سيجعل حجم التفاهم بين النفسيات يعلو ويعلو..

وأقول لكل زوج: تذكر حكاية ضلعك التي خلقت منه حواء، وأن من طبيعة الضلع أنه على شكل قوس منحني، وأن انحنائه هذا – والذي عبر عنه النبي   بالعوج – هو أفضل وضع ليقوم الضلع بوظيفته في حفظ أهم الأعضاء الداخلية للإنسان، وأنك إذا ذهبت تقيمه وتجعله مستقيما كسرته، وأن قمة الذكاء الزوجي أن تستمتع به على ما فيه…

ثم هل أستطيع أن أقول أيضاً للزوجات نفس الكلام.. وأنك تستطيعين أن تستمتعي بزوجك على أي عوج فيه، خاصة إذا كان هذا العوج ناتج تربية طويلة، وبيئة مختلفة، بل وأحياناً وجهة نظر..

أظن هذه العوامل كلها ستؤدي في النهاية إلى فهم النفسيات، والوصول الحقيقي الي قوله تعالي:  مِّنْ أَنَفُسِكُمْ

ابتسم صديقي ونظر الى نظرة طويلة ثم مد يده ليهم بالانصراف.

قلت له: الى أين؟

ابتسم ابتسامة ذات معنى وقال: أروح اشوف نفسي!

اترك تعليقاً