زوجي شاذ جنسيًا!
هكذا قالت لي الزوجة في التليفون بعد تردد شديد..
وكانت تتوقع أن يكون رد فعلي مفزوعا!
إلا أنني – وبهدوء شديد- قلت لها: وما معنى أنه شاذ جنسيًا يا سيدتي؟
قالت: يطلب مني أشياء شاذة جدا..
وبنفس الهدوء أو البرود قلت لها: يعني ليس شاذا بالمفهوم الدارج للشذوذ عند الرجال؟
قالت في فزع شديد: لا٠٠ لا ٠٠ انت فهمت أيه!؟
أقصد شاذ في العلاقة الزوجية
من أكثر الملفات حرجا والتي تواجهنا نحن المستشارين هذا الملف؛ ملف العلاقات الخاصة، ونكاد نتفق أن أكثر المشكلات الزوجية تبدأ غالبا في غرفة النوم.
بل إن كثيرا من تلك المشكلات مجرد أعراض لمشكلة حميمية، لا يفصح عنها الزوجان، ويترجمونها في مشكلات جانبية
وسوف يكون لنا حديث حول هذا الملف السري الممنوع بعد ذلك.
ومن المصطلحات التي تكثر عندما تشكوى الزوجة هذا المصطلح: (الشذوذ).
وأحيانا تخففه بعض الزوجات بغريب أو غير طبيعي.
ومن المصطلحات التي يرددها الزوج (البرود).
ويحتاج الاستشاري الزوجي إلى تفصيل أكثر ليفهم المقصود بالمصطلح.
ويدخل هنا الحرج الشديد، وتبرئة النفس، وإظهار عدم الاحتياج، واعتبار أن هذه العلاقة شيء غير مهم أو هي نوع من الشهوانية التي يجب ان نترفع عنها!
وتدخل المشكلة في كهف مظلم، إذا لم ينتبه المستشار له فسوف يتخبط ويفسد أكثر مما يصلح.
وقد يلجأ الزوجان إلى القراءة في الموضوع كشكل آمن لحل مشاكلهم، أو يلجؤوا إلى الاصدقاء فيزيد الطين بلة.
فالعلاقة الخاصة في الزواج سمة من سمات الشخصية كجزء من المزاج والزوق الشخصي، تتميز عند كل إنسان عن الآخر، وليس كل ما يرضي أحد يرضي الآخرين، وليس كل ما يبغيه زوج أو زوجة يكون مبتغى لغيرهم، وفيها من تنوع الأذواق ما يجعلها حالة متفردة لكل واحد على حدة.
هذا على المستوى العام.
أما على المستوى الخاص؛ فإن كان الرجال مختلفين عن النساء في كثير من سلوكياتهم ومفاهيمهم وانفعالاتهم، فإنهم في هذا المجال مختلفون تماما عن النساء جملة وتفصيلا؛ فلا الرغبات واحدة، ولا البدايات واحدة، ولا النتائج واحدة.
وكما قلت لا يصلح كلام عام في هذا الموضوع، فكل مشكلة تحتاج توجيه خاص بها.
قلت: للمتصلة أريدك أن تفهمي عدة مباديء ياسيدتي:
الأول: أن العلاقة بينكما لا محظور فيها على الإطلاق، ولا شذوذ فيها على الإطلاق.
والله سبحانه وتعالى يقول: “نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ، وَقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُمْ، وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُم مُّلَاقُوهُ، وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِين” [البقرة: 223]
و”أنَّى” تعني: أين أي في أي مكان شئتم، يعني أي مكان من الجسد وأي مكان في البيت.
وتعني متى أي في أي زمان شئتم.
وتعني كيف أي بأي طريقة شئتم.
كل هذا مع مراعات النواهي الشرعية وهي قليلة جدا.
والخطاب موجه للزوجين فكما أن الزوج يأتي زوجته أنى شاء فالزوجة أيضًا لها الحق أن يأتيها زوجها أنى شاءت لعموم قوله تعالى “وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ” [البقرة:228٢٢٨]
وإن كان حياء المرأة يمنعها عن الإفصاح عن احتياجاتها، فيجب أن يقترح الرجل عليها حتى يصادف ما يرضيها، ويمتنع عما لا يرضيها.
قالت المتصلة: بس ساعات بيكون ليه طلبات عجيبة.
قلت لها بسرعة قبل الدخول في التفاصيل:
المبدأ الثاني: هو الاستثناء الشرعي الزماني والمكاني.
أما الاستثناء المكاني: فقوله “أَنَّىٰ شِئْتُمْ”، كما قلنا، مكان ما شئتم؛ فجسد الرجل مباح كله للمرأة وكذلك جسد المرأة مباح كله للرجل إلا أن يأتيها في دبرها مكان التبرز.
والاستثناء الزماني متعلق بحالة الحيض والنفاس بالنسبة للمرأة.
وقد أوضح ابن عباس ترجمان القرآن هذا المعنى فقال: ائتها أنى شئت مقبلة ومدبرة، ما لم تأتها في الدبر.
أي من الأمام أو الخلف، المهم يتجنب فتحة الشرج.
ويوضح أكثر بقوله: يعني بالحرث: الفرج؛ تأتيه كيف شئت؛ مستقبلة ومستدبرة، وعلى أي ذلك أردت، ولا تجاوز الفرج إلى غيره، وهو قوله: “فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ”.
ويوضح عكرمة تلميذ ابن عباس معنى الدبر يقول: “فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ” قال: يأتيها كيف شاء ما لم يعمل عمل قوم لوط.
قاطعتني المتصلة: ولكن هناك أمور يطلبها غير ذلك، قد لا أستسيغها أو قد لا أقبلها، ويقول لي هي حلال.
قلت لها وكأني أكمل كلامي:
المبدأ الثالث: إنه وإن كان الهدف الأسمى من هذه الممارسة هي الولد؛ فهدف المتعة والسعادة والتقارب الزوجي أيضًا من أهدافها الراقية.
وقد عبر عنها الرسول عنه بالعُسَيْلَة؛ أي العسل، فرفض طلاق رجل لامرأة ليحللها لزوجها الذي طلقها ثلاثة، ولم يدخل الرجل بها فقال صلى الله عليه وسلم: “حتى يذوق من عسيلتها وتذوق من عسيلته” (رواه البخاري ومسلم).
وذوق العسيلة يحتاج: الرضا والتراضي والتفاهم وعدم الغصب والجو النفسي الجميل.
وإلا تحولت إلى مر وعقد نفسية ونفور!
ولذلك فالمبدأ الثالث هنا أنه لابد من التراضي، وأنه مع وعظ المرأة أن تستجيب لزوجها اذا أرادها لا يعني إنه مفروض عليها كل ما يحب وإن كان لا حرمة فيه!
فكثير من الطعام لا حرمة فيه، ولا نحب أن نأكله، بل ويتمغص بطننا عند ذكره!!
فعليها أن توضح له بأسلوب لطيف عدم قبولها لأمر ما أو سلوك ما أو طريقة ما.
وعلى الزوج العاقل المحب أن يقدر هذه الأمور.
قالت: هو يغضب إذا رفضت ويتهمني بالبرود.
قلت لها: قد يكون غضبه نوع من الضغط عليك للموافقة، أو التجريب، ظنًا منه أن ما يصلح لامراة يصلح لغيرها، وهنا عليك استخدام الحيلة واللطف والمصارحة، لبيان تضررك، مع تقدير رغباته، وعدم استقذارها، أو اتهامه بالشذوذ، أو بأي شيء يستفذه على الإصرار.
إن قمة التفاهم في الحياة الزوجية أن يتفاهم الزوجان في هذه العلاقة الخاصة، وألا تتم تحت القصف والتهديد والإرهاب.
وفقك الله..
وأغلقت الخط..
وعدت أتنفس من جديد..
فما ذنبي أنا المستشار الأسري أن بعض الرجال يُعَرِّض كل الرجال لاتهامات لا أول لها ولا آخر؟
أقول لإخواني الأزواج: (رفقًا بالقوارير).
إن أمتع ما تكون العلاقة عندما تكون بالتوافق والتفاهم والإقبال المتبادل وانظروا الى تعبير القرآن الرقيق لهذه العلاقة في الآية التي ذكرنا “وَقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُمْ”.
وكذلك في قوله تعالى:
“ُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا، فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا” [الأعراف: 189]
“تَغَشَّاهَا!!!!”
يالها من رقة..
وإلا…. ستتهمك أنك شاذ.
ولن أدافع عنك كل مرة..
فاحذر!!!