ماحصلش حاجة يابابا!!! مشهد درامي يتكرر كثيرًا في السينما العربية؛ تلك الفتاة التي وضعت نفسها على أول المنحدر وبدأت تنزلق، وتنزلق وتنزلق .... و ... و ....ويأتي أبوها أو أخوها، قبل آخر لحظة من الضياع، وعندما ينهال على وجهها بالصفعات وهي تلملم خيبتها، وصديقها (الخدن) يهرول مبتعدًا متعثرًا في أقدامه، تصيح من بين دموعها: "ماحصلش حاجة يا بابا ... ما حصلش حاجة...!!"وهنا لا يملك المتفرج عقله، إن كان في رأسه ذرة من عقل؛ هل يذرف دموعه على المأساة المقصودة، أم ينفجر ضاحكًا من حجم العبث الذي يحتوي المشهد الكوميدي الباكي.ماحصلش حاجة!!!(يا نهار ...) لا أعرف اللون الذي يليق به...ومتى يكون قد حصل حاجة؟عندما فرط الأب في التربية ولم يضع الضوابط منذ الصغر، ماحصلش حاجة؟!أم عندما نزل جدار الصمت بين البنت وأمها، منذ أن وصلت سن البلوغ، ... ماحصلش حاجة؟!أم عندما لم يدرك الأبوان أن عليهما واجبًا مهمًا، هو إدراك سمات المرحلة السنية ومشاكلها وكيفية التعامل معها، ماحصلش حاجة؟!أم عندما فجر المجتمع بركان الشهوات يتلظى بنار شيطانية تحرق العفة داخل النفوس الطاهرة، ماحصلش حاجة؟!أم عندما غابت البنت عن رعاية أبيها وأمها، وتُرك لها عقد الصداقات دون متابعة حانية مدبرة راشدة، ماحصلش حاجة؟!أم عندما تُغلق الحجرات على البنت ومعها التليفون ويتاح لها التواصل مع كل من هب ودب طوال الليل، ماحصلش حاجة؟! ثم...عندما لم تعرف البنت أو تجاهلت حدود العلاقة بين الفتى والفتاة.. ماحصلش حاجة؟!أم عندما حدثت المصافحة والملامسة والمواعدة والمكالمة والمراسلة... و... و... و...، ماحصلش حاجة؟!لا.. حصل حاجة... وحاجة خطيرة كمان.عندما لم يدرك المجتمع بالكامل خطر الانفلات التربوي الذي يعيشه أبناؤنا، وتُرك الحبل على غاربه لكل ناعق يعبث في قيمنا كما يشاء...عندما أُمّمت مصادر التوجيه في المجتمع، وعلى رأسها المسجد، وكُممت أفواه الدعاة ولم يترك لهم إلا ثقوب صغيرة لا يكادون يتنفسون منها مقابل مساحات واسعة لمن يريد نشر الفساد.عندما تآمرنا جميعًا على القيم والفضائل تحت دعوى الحرية وملاحقة غيرنا من دول تقدمت ماديًا رغم خوضها الأوحال.عندما حدث كل هذا.. أكيد سيحصل؛ ليس حاجة، وإنما حاجات وحاجات وحاجات...ولكن لمن أوجه كلامي؟هل للأب الغارق في ماكينة الحياة المعطلة، فلا هو أدارها ولا تركها ورحل. أم للأم الحائرة الباحثة عمن يعينها فلا تجد.أم لأم أخرى، غرقت هي أيضًا في تقليب مواقع التواصل والحديث والدردشة مع المجموعات التي لا تعرف أحدًا فيها.أم للمدرسة، التي احتار القوم في معرفة أهدافها ووسائلها في هذا الزمان العجيب.أم للسياسيين؟ وما أدراك ما السياسيون!! عندما تكون السياسة لعبة، والأهداف مصلحة شخصية، والوسيلة كل ما يتاح.أم للمفكرين والمثقفين، الذين احتارت فيهم الألباب؛ عندما أتوا بكل عجب عجاب، يُلبسونه ثوب الفكر الراقي، ويكفي أن تتسع العيون بالدهشة، وتحتار العقول من عدم فهم ما يقال، لتدرك أهمية ما يقولون أما الناتج فلا شيء.واسألوا ماكينة الطباعة، ومواقع النشر الاليكتروني.أما المشهد الديني بدعاته وشيوخه وعلومه ومواقفه، فحدث ولا حرج؛ حيث ضاعت هيبة العلماء، وانتشر الرويبضات أدعياء العلم، وأصبحت كلمتهم مشكوك فيها، وأصبح المسلم لا يأمن حتى العلماء على دينه.ونعود مرة أخرى للمشهد السينمائي، وذلك الاستهتار العجيب بالقيم التي عاش عليها مجتمعنا العربي المسلم طويلًا، لأقول إنه مشهد متكرر، ونفس الرد (ماحصلش حاجة) متكرر، والعجيب أننا أصبحنا نسمعه من الآباء والمربيين.عندما نلفت نظر الأب إلى ملابس ابنته الشابة، يقول: (ماحصلش حاجة).عندما نلفت نظر الأم الى أصدقاء ورفاق بناتها وأولادها، تقول: (ماحصلش حاجة).عندما نلفت نظر المسؤولين في الجامعات وخاصة الجامعات الخاصة إلى ممارسات الشباب، يقولون: (ماحصلش حاجة).عندما ننبه إلى الفراغ العقلي العجيب الذي فيه شبابنا اليوم، يقولون: (ماحصلش حاجة).وعندما يعجز الشاب عن أن يجد وظيفة؛ لأنه وخلال خمسة عشر عامًا من التعليم لم يحصل على الخبرة التي تؤهله أن يلتحق بوظيفة، نقول: (ماحصلش حاجة).وعندما يثور البركان وتحدث الكارثة سنقول أيضًا: (ماحصلش حاجة).فمتى سنشعر أنه حصل حاجة؟ بل حصل حاجات؟ولمن يسألون عن الحل نقول، في كلمتين، يجب أن نعود إلى قياس كل سلوكنا على أساس القيم.. والقيم لا يختلف عليها أحد؛ فالعفاف قيمة، والصدق قيمة، والأمانة قيمة.وأعلى القيم هي العلاقة مع الله..وأساس العلاقة مع الله الالتزام بما أمر.وما أمر به الله موجود في كتابه الذي بين أيدينا ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾.