وما هو الحب إذن؟!
قال لي وهو منفعل: أنا لا أحب زوجتي!
قلت له بكل هدوء: حبها
قال وقد بدأ ينفعل: أقول لك لا أحبها!
قلتُ وأنا غير مصدق: وهل تُبني البيوت على الحب فقط؟!
ثم سألته: وما معنى الحب من وجهة نظرك؟
نظر إليَّ دون أن يبدي إجابة؛ فقلت مستدركًا: اسمع هذه القصة..
وقفت امرأة تقاضي زوجها وتطلب حقها منه وهو ينكر عليها.. فقال لها القاضي: عليكِ أن تحضري شهودًا؛ فَلَمَّا حضر الشهود قال لها القاضي: الآن اكشفي عن وجهك حتى يشهد الشهود؛ فهمَّتِ المرأة أن تسفرَ عن وجهها، فإذا بالرجل يصيح: لا يا سيدي القاضي، لا تكشفوا عن وجه زوجتي ولها عندي فوق ما ادَّعت كذا وكذا..
وهنا قامتِ المرأةُ لتجلسَ إلى جوار زوجها وتقول: وأشهدك أيها القاضي أن زوجي بريء من حقي، وقد أحللته له.
فقال القاضي: اكتبوا ذلك في مكارم الأخلاق.
مسح صاحبي دمعةَ فرحٍ تريد أن تقفز من عينيه، وقال لي بصوت مُتَهَدِّج: هل هذا هو الحب؟!
قلت وأنا ابتسم: وما هو الحب إذن؟!
اسمع هذه أيضًا:
اختلف النبي صلى الله عليه وسلم في شيء مع زوجته أم المؤمنين عائشة – رضي الله عنها – فغضبت، وأراد أن يسترضيها فقال لها: “من يحكم بيننا؟”
فرضيت بأبيها أبي بكر الصديق رضي الله عنه فأرسل إليه وقال لها: “تحكي أم أحكي؟” فقالت: احكِ أنتَ؟
فبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي؛ فإذا بها تقول له: اعدل أو اصدق، أو شيء من هذا..
فإذا بأبيها ينفجر فيها مُعَنِّفًا ويلطمها؛ فيدمي أنفها وهو يقول: خسرتِ! ومن يعدل إذا لم يعدل رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فإذا بالنبي صلى الله عليه وسلم يقوم لها، ويلتزمها، ويغسل عن أنفها الماء، وهو يقول لأبي بكر: “ما هكذا أردنا، ما هكذا أردنا”.
ابتسم صاحبي وأنا أعلق على القصة: إذا استقر هذا الأمر في نفس كل زوج – أنه يحب زوجته؛ ودليله على ذلك تلك اللهفة الشديدة في قلبه عندما تمرض، وذلك الدافع القوي الذي يجعله يسرع إلى بيته ليلقاها، فإننا نقول له: إنها أيضًا تحبك.
أسلم الطفيل بن عمرو الدوسي؛ فاقتربت منه امرأته فمنعها، وقال لها: لقد أصبحتِ عليَّ حرام.
فقالت: ولم؟!
قال: لقد أسلَمْتُ.
فردت عليه قائلة: أنا منك وأنت مني، وديني دينك.. وأسلَمَتْ.
بعد غزوة أحد مرَّ الناس بالقتلى على حِمْنَة بنت جحش – رضي الله عنها – وكان فيهم ثلاثة من أهلها؛ فكانت كلما سألت: مَنْ هذا؟ أجابوا؛ فتجيب: “إنا لله وإنا إليه راجعون”، حتى جاءوا بزوجها مصعب بن عمير رضي الله عنه شهيدًا، فقالت: من هذا؟ قالوا: زوجك مصعب؛ فصرخت وبكت.. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “إن للزوج عند زوجته لشأنًا”.
ابتسم صاحبي وقال: الحقيقة نحن أحيانًا نفهم الحب غير هذا؛ ولكن فعلاً – كما قلت – تراودني نفسي كثيرًا أن زوجتي لا تملك شِبْرًا في قلبي؛ فإذا بِي وفي موقف ما أجد لهفتي عليها تكاد تقتلني.
ثم نظر لي بطرف عينه نظرة ذات معنى وقال: أنت تعلم صفات الرجل، وكرامته أحيانًا تمنعه من البوح بالحب.
شعرتُ أن دفئًا بدأ يسري في الحديث..
فقلت له: الموضوع لا يتعلق بالكرامة إنما هي الخبرة.. تعلم كيف تعيش قصة حب تسعد بها وتسعد بها الطرف الآخر وعندها ستعلم كم ضيعنا عمرنا بلا حب.