هل للزواج نهاية صلاحية؟
اتصل بي عبر البحار وقال: سمعنا بك يا دكتور وأرجو أن تساعدنا أنا وزوجتي في اتخاذ قرار مهم في حياتنا..
نحن نقيم هنا في إنجلترا وسوف تعود زوجتي إلى مصر وتزورك إن شاء الله.
أرجوك اسمع منها وأنا قادم بعدها بعشرة أيام، ونجيلك إن شاء الله
قلت له: مرحبا
وحضرت الزوجة
مصرية أنهت عامها الخمسين تقريبا قوية الشخصية ذات ثبات انفعالي واضح
وبعد الترحيب والتعارف بدأت تحكي:
لا توجد مشكلة بيني وبين زوجي، ولكن اختلفنا كيف ننهي العلاقة؟
قلت لها: ما فهمتش ماذا تعنين بإنهاء العلاقة؟ وأي علاقة؟
قالت ببساطة وهي تبتسم كأنها في جلسة بيع منتج معين: العلاقة الزوجية.. الطلاق
قلت لها ببداية انفعال: خلينا نبدأ من الأول، علشان أفهم
اتسعت ابتسامتها وقالت: اتفضل اسأل وانا أجاوب
قلت: سأسأل اثناء حديثك لكن أريد ان اسمع قصتكم من بدايتها
قالت: OK
البداية زي اي شابين بيتزوجوا في مصر
سننا قريب من بعض، يعني سنة او أكثر قليلا هو أكبر مني
جت فرصة سفر، سافرنا استقرينا
خلفنا ولدين، تخرجوا الآن من جامعتهم، وكل منهم أخذ طريقه وتقريبا انفصلوا عنا.
الحقيقة؛ هو ساعدني إني أكمل تعليمي، واشتغلت وفتحت المشروع الخاص بي، ونجحت
وللأسف هو كان مشغول في العمل الخيري والدعوي، فمعملش مشروعه، ولكنه مش محتاج، عنده مصدر دخل ثابت، انا مشغولة في شغلي، وهو مشغول في شغله، والاولاد خلاص استقلوا.
يعني لاقيت ان استمرار ارتباطنا عبأ علينا إحنا الاتنين
فسألته؛ ما الهدف من استمرار ارتباطنا ببعض؟
حقيقي قال كلام مهم لكن انا شايفه ان زواجنا خلاص expired
بس!
اسمحلي عزيزي القارئ ان أعبر هذا اللقاء، وننتقل الى جلوسهم الاثنين معا
سألتها ماذا تعنين بأن زواجكم منتهي المفعول expired
قالت: ببساطة الزواج تعاقد زي أي تعاقد، وبانتهاء المطلوب من العقد اظنه ينتهي مفعوله.
وزي ما قلتلك؛ انا عندي مشاريعي، وهوعنده ما يشغله طول عمره، وخلصنا تربية الاولاد وخلاص،
يبقى أيه لازمة استمرار العقد، وهو ما بيضفش لينا أي شيء، بالعكس انت عارف ان فيه التزامات كتيرة مبنية على العقد، أظن ان مابقيناش محتاجينها أوي، على الأقل انا.
وكبروتوكول في الاستشارة انفردت بكل منهما على حدته
وسألته عن العلاقة الخاصة بينهما؟
فأخبرني انه لا خلل فيها بما يناسب السن وتأكدت منها على ذلك الا أنها أظهرت أنها تؤديها كواجب أخلاقي والتزام بالعقد!
ولم تذكر من عيوبه شيء إلا أنه يتأخر في اتخاذ القرارات المهمة، وليس لديه طموح عالي.
ولم يذكر من عيوبها شيء إلا أنها تدير الحياة كلها كأنها مكتب في شركة، وطموحها لا حدود له.
بدأت أدير حوارات طويلة بينهما، ونحن مختلفون تماما؛ هي ترى أنه لا داعي لاستمرار الحياة الزوجية، ونحن نرى أنه لا داعي للانفصال، حتى لو استمرت الحياة كما هي دون تغيير.
وأكبرت فيها أن قوانين البلد التي تعيش فيها كان تيسر لها ما تريد، بل وتخرج رابحة؛ إلا أنها كانت تراعي دينها، ومشاعر أبنائها، وتريد أن يتم الأمر باتفاق هادئ
واخيرا اضطررت أن اتحدث بانفتاح شديد عن العواطف والمشاعر، والنوم بمفردك، ووجود رفيق يتجاوب معك، وماذا عند تقدم العمر؟
كانت مستعدة بتقديم إجابة عن كل تخوف، فلديها من الاستعدادات اللوجستية ما يوفر لها الراحة في أي وضع!
قرأت لهم من القرآن آيات السكن، والمودة، والرحمة، واللباس!
وذكرت لهم من أحاديث وصايا الرسول صلى الله عليه وسلم بالعشرة بالمعروف، والفضل بينهما!
غنيت لهم من كلمات الشعراء ما يجعل من الحب المتبادل روح مع الروح!
قلت لهم: (ليه نضيع عمرنا هجر وخصام؟ واحنا نقدر نخلق الدنيا الجميلة!
بالوداد والحب تتجدد حياتنا.. بالحنان والقرب.. تتبدد آهاتنا..
واللي جي نعيشه أحلى من اللي فاتنا….)
استطعت أخيرا أن ازيل ركام شديد من على صفحة قلبها الذي أغلقته الحياة العملية في تلك البيئة.
واكتشفت عدم قدرة الرجل على ايقاظ مشاعرها او حتى على اشباع مشاعره.
اكتشفت سر رهيب؛ أن الزوجة كانت في حاجة شديدة الى دفء المشاعر في صقيع المجتمع الجامد، الذي تعيش فيه رغم ما تظهره من الجفاء والعملية، وأن بعض كبريائها يجعلها لا تطلبه في هذا السن، بعد سنين ملت من طلبه ولم تجده.
واكتشفت أن الزوج شديد البرود العاطفي، جامد المشاعر، مع ما يبدو عليه من لطف ورقة ولين وحرص عليها، وأنه كان هكذا طول العمر.
اكتشفت أنها كانت ترتب للخروج من هذه الثلاجة منذ زمن ولو الى برد الخارج
رجعت بهم إلى (أول شرارة حب.. ونظرة من بعيد لبعيد.. تقول حبيت.. ورمش يقول غلبني الحب.. غلبني)
رجعت بيهم الى (ليالي الشوق وحلاوتها.. وأول سلام بالإيد.. ولا المواعيد ولهفتها)
رجعت بيهم الى (ياللا نخلق من الزمن أيام صفا… دي الحياة من غير لقانا مش حياه.. واحنا مش هنعيش ياروحي مرتين)
رجعت بيهم الى روح الزواج فدبت فيهم الحياة من جديد
وكانت نظراتهم لبعض وأيديهم المتشابكة في لهفة كافية أن أخرج من الحجرة وأغلق عليهم الباب
فلم يكن من المناسب ان اشاهد ما يحدث!
رجعت لأجد الزوجة قد احمر وجهها بعد صفار، ورق صوتها بعد حشرجة، وبرقت عيناها بعد ذبول.
وجدت الزوج قد صفا وجهه بعد عكارة، ورقت مشاعره بعد غلظة، ولانت ملامحه بعد ضغط.
ولم أسألهما ماذا ستفعلان؟
فهنا تنتهي مهمة المستشار.
أما القرار؛ فهو لهما.
فقط هيئت بيئة صحية لاتخاذ القرار
وهذه مهمة المستشار
ولكني سألت نفسي وأنا اودعهما زوجين متشابكي الايد مبتسمين من جديد:
هل ممكن فعلا أن يكون للزواج تاريخ لانتهاء الصلاحية (Expiry Date)؟