زيارة للطبيب النفسي
* قد تظنون أنني ألّفت هذه الحكاية، لكن لا تحتاجون إلى أن أقسم لكم أنها حدثت كما أرويها لكم!!!
جاءتني تحمل كل الأدلة التي تجعلني أحكم على زوجها بالإعدام..
مشتومة
مضروبة
محطمة نفسيا
وتسألني ماذا أفعل؟
بعد أن هدأت قليلا قلت لها: نبدأ من الأول.
قالت: القصة مختصرة جدا، تعرفنا في مكان العمل، الفرق في السن مناسب،
بدأت حياتنا عادية، خلافاتنا كلها سببها اختلاف الطباع.
(من أهم مهارات المستشار؛ أن يحتفظ بانطباعاته، وخاصة الأولية، ولا يستخدمها إلا بعد أن يستمع لجميع الأطراف)
ورغم أني أدرب المستشارين على هذه القاعدة، إلا أني لمحت مع استمرارها في الكلام شيء أقلقني
قالت: اكتشفت انه مختلف عني في كل شيء
ومثال لذلك النظام
انا منظمة جدا، كل شيء عندي بحساب
وهو – قالت بعد تردد-: همجي
بدأت اتأكد من الذي أقلقني
ولكن لم يظهر على وجهي، وشجعتها للاستمرار
قالت: لا يعيد شيء لمكانه أبدا
اجري خلفه طول النهار، اجمع حاجاته المبعثرة.
كل هذا لا يهم، المهم هو تحوله العجيب، لقد بدأت ملامح مرضه النفسي تظهر في تصرفاته.
قاطعتها: ولكنك لم تخبريني عن مرضه النفسي
قالت بتحفز: هو مريض نفسي يا دكتور
تصور انه بعد أن ضربني ضرب دماغه في الحيط حتى جرح نفسه، وادعى أنى رميته بشيء جرحته!
ازداد قلقي وبدأت اخطط في أوراقي وهي تؤكد على نفس المعنى؛ زوجي مريض نفسي.
قلت لها: هل يمكنني أن أقابل زوجك؟
لم تمانع ولم يمانع
وتمت المقابلة
أبيض البشرة، طفولي الملامح، ممتلئ الجسم، متوسط الطول.
(بالمناسبة هي عكس ذلك) سمراء، ذو تقاطيع وجه حادة، دقيقة الجسم جدا، أطول منه قليلا.
لم تفارق وجهه الابتسامة وان كانت مليئة بألم الجرح وألم الموقف.
قليل الكلام
بدأ يحكي وأنا احثه بالأسئلة
قال: لاحظت عليها انفعالات غريبة في بداية علاقتنا قبل الزواج
لم أتكلم لأستزيده وان كنت مركز جدا في كل كلمة
قال: يعني تنفعل لأسباب أراها لا تستحق، ويكون انفعالها ازيد من اللزوم، كانت هناك مشكلة مستمرة بينها وبين عائلتها، لأسباب مثل: شغل البيت، وترتيب الأشياء، أول مرة شتمتني قالت لي انت بارد ومبتحسش!
غضبت منها جدا، ولكن اعتذرت، ولأني أعلم أنى فعلا هادئ، وانفعالاتي متأخرة؛ سامحتها.
حاولت أجاريها في سرعتها، ونظامها، وسرعة انفعالاتها، لم أستطع.
حاولت اهدئها، واعلمها الرضا والاسترخاء، فكأني اخلط الماء بالزيت.
قاطعته: وحكاية إنك غير منظم؟
ابتسم بمرارة وقال: تصور ان دي أصل مشكلاتنا!
هقولك موقف
عندما فرشت زوجتي البيت، أحضرت معها مكتبة كتبها، وشرائط الكاسيت الخاصة بها، وانا أيضا.
(هذه القصة منذ ١٥ عاما؛ حيث كان الكاسيت منتشرا)
وفوجئت بها تفصل مكتبتها عن مكتبتي!
ثم كانت الطامة! (ابتسم متعجبا بمرارة) وأكمل:
تصور يا دكتور، وجدتها عاملة استمارة استعارة، وقالت لي لما تأخذ أي حاجة من مكتبتي لازم تكتب استمارة، وترجع الحاجة في موعدها.
نظر الى الذهول في وجهي، ولم تتغير ابتسامته، واستمر:
وهكذا في كل حياتنا؛ كل شيء بنظام، ومواعيد، وضبط، وترتيبات، حتى…. حتى…..
لاحظت تردده، وكنت قد فهمت مقصده
فقلت – أغير الموضوع: وهل يكره أحد النظام؟
قال: الشذوذ مكروه في كل شيء يا دكتور.
لقد أصبح الأمر مثير للضحك، ثم للعند، ثم بدأت المعارك.
وكنت في كل معركة اخرج ناقص جزء من كرامتي.
لقد كان انفعالها إعصار لا يقف أمامه شيء، وقد يكون لأتفه الأسباب
وللأسف يبدأ فجأة ولا ينتهي أبدا الا بعد ان يترك أكبر قدر من الدمار خلفه.
حتى وصل الأمر الى الايذاء البدني واشار الى جرح رأسه
والمصيبة انها تدعي أنني أنا الذي ضربتها!
نظرت إليه بتشكك لم يلاحظه لأنه قال:
إنها تحدث أشياء في نفسها وتدعي أني ضربتها!!
اتسعت نظرة شكي جدا؛ فهو نفس الاتهام الذي تتهمه به!
طال الصمت بيننا
رجعت من صمتي فأنا اعلم أنه انتهى ولن يعود
قلت: وأيه حكاية الطبيب النفسي؟
نظر اليَّ بحيرة وقال: أقنعتني أنى مريضا نفسيا، واني عندي ازدواج بالشخصية! كانت تقسم أنني ضربتها، وانا متأكد أنني لم أفعل، وتتهمني أنى أحدثت بنفسي هذا الجرح، مع أنى رأيتها تفعل ذلك في نفسها.
هل اعطاك الطبيب أدوية
نعم ….. وذكر أسماء أدوية اعرفها بحكم تخصصي الصيدلي.
أخذت عنوان الطبيب منه
نعم قررت زيارة الطبيب النفسي
وحددت موعدا وقابلته
ابتسم لي وهو ينظر الى اسمي في الملف الموضوع أمامه، والذي أعدته الممرضة قبل دخولي إليه كمريض، وقال:
عجيب…! الناس يلجؤون إليك لحل مشاكلهم، وانت تزور الطبيب النفسي!!
كان يعرفني وقرأ بعض كتبي
قلت له: نعم أزور الطبيب النفسي، وما العيب في ذلك؟ ثم إنني اليوم هنا من أجل مشاكل الناس.
نظر إلى مستفسرا فقلت له: جئتك من أجل مريض عندك
وذكرت اسم المريض، فتذكره حيث كان يزوره قريبا.
ودار بيننا حوار حول حالته التي شخصها ببدايات فصام.
وتوقع انه مصاب جديد فليس لديه تاريخ مرضي.
قلت له: اظنه بعد زواجه بسنة؟
نظر لي بعجب وقال: أظن ذلك
قلت له: هل رأيت زوجته؟
ابتسم وقال: هي الأخرى مريضة، ولكنها ترفض الاعتراف بذلك.
ألا ترى أن مرضه رد فعل لسلوكها العنيف معه؟
فهو كما ترى خجول جدا، قليل الكلام، بطيء الحركة ورد الفعل، يرتج الامر عليه فيصاب بالخرس.
ذادت نظرته تعجبا وقال: تقريبا هذا ما دونته عندي.
ثم ابتسم وقال: أعرف أن دراستك صيدلانية وليست طبيه
قلت له: كتر البكا يعلم النواح
يعني مشاكل الناس مس بس سلوكية لاكن فيها كتير نفسي وماتنساش أنى دارس علم نفس
قال بجدية: ولكن أشهد ليك يا دكتور؛ كثير من مرضاي ابتدأوا عندك، وعندما قابلوني أخبروني أنهم بدأوا عندك كاستشارة، ثم قلت لهم أنهم يحتاجون طبيبا نفسيا.
ضحكت وقلت: كويس انهم يجولي أو يجولك بدل ما يروحوا للمعالجين الروحانيين أو الدجالين.
واستمر الحوار اللطيف من هذا النوع حتى فاجأته بسؤال:
وهي؟
قال: مالها؟
قلت له: ألم يحدثك عن هوسها بالنظام والنظافة؟
واتهامها المستمر له وتضييقها الشديد عليه؟
جاء صوته من داخل بئر تفكيره العميق قال: وسواس قهري
قلت له: وكده تتضح الصورة وسواس قهري من ناحية وضعف شديد وقلة حيلة من الطرف الآخر
معارك مستمرة
تصل الى التشابك بالأيدي، ويصل أن يجرح كل منهما الآخر
كل منهم ينكر داخله الوضع، يتهم الآخر انه يحدث العاهة بنفسه
حاجة كده زي رد الفعل الدفاعي
ابتسم صديقي الطبيب النفسي؛ ما يدل أن التسمية غير علمية، وقال:
بغض النظر عن المصطلح العلمي، كلامك فيه كتير من الصواب، وخلينا مادام عندهم استعداد لتلقي العلاج والمشورة نتفاهم احنا الاثنين في الحالة.
قام الطبيب النفسي بدور كبير في علاج وسواس الزوجة، وإخراج الزوج من دور الفصام الدفاعي الذي ادخل نفسه فيه، واستمروا في زيارتي لأرتب لهم الكثير من المشاعر، واضع أيديهما على كثير من مصادر السعادة في حياتهما، والتي تبدأ بقبول كل منهما للآخر.
وتأكدت أننا كزوجين لابد لنا من زيارة الطبيب النفسي عندما نحتاج ذلك
مش عيب أبدا!
وتكونت لدي قاعدة في مهارات المستشار؛ أنك إذا تأكد أن المشكلة التي أمامك هي مشكلة نفسية، فكن صادقا وحولها على الطبيب النفسي، فإن هذا أسلم لهم ولك.
فكم من مصائب أحدثتها تدخلات غير المتخصصين.