علموا أزواجكم الشورى
قالت لي: إلى متى أظل لا إرادة لي؟ …
إلى متى يظل في حياتي من يعتبر رئيساً لي؟
كنت أعلم عنها الالتزام بشرع الله، وأن هذا الانفعال ناتج من ضغط ما عليها.
قلت بهدوء: احكي لي.
قالت: في بيت أبي كان السمع والطاعة له..
وكان أخي يباشر عليّ بعض التحكمات بحكم الوراثة، وأنه الرجل..
ثم في بيت زوجي انتقلت الطاعة إليه
وانا المرؤوس الوحيد في كل الحالات.
قلت ببساطة: هكذا الزواج، ومن لا تقبل هذا الوضع لا تتزوج، ومن لا تطيقه أظن أن لها الحق في الانفصال ﴿وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ﴾ [النساء:130].
شعرت بابتسامة الفزع من صوتها وقالت: لم أقصد أن يصل الأمر إلى هذا الحد، ولكن زوجي يتحكم في أمور أرى أن التحكم فيها يعوق مسيرة الحياة.
قلت بهدوء: إن الأمر لا يتعلق بالتحكم ولا الطاعة، إنما هو التنظيم الداخلي للبيت، والذي جعل الله فيه الرجل هو القائد.. عليه كل واجبات القائد، وله كل حقوق القائد.
قالت مقاطعة: أعلم ذلك، وأعلم أن البيت لابد له من قائد، وأن الله الحكيم وضع في الرجل بعض الصفات التي تؤهله لهذه القيادة، وأنني عندما تزوجت كانت موافقة ضمنية مني على هذا الترتيب الإداري للبيت.. ولكن هل تعني القيادة ألا يكون لي دور بالمرة؟!
قلت لها – بعد اطمئناني على قناعتها: إن المشكلة تنبع من التربية التي تربى عليها الرجال في بلادنا.. إن القهر الذي يعانيه الرجل في كل مجالات حياته يترجمه في النهاية إلى قهر لمن هو راعي لهم..
انظري إلى زوجك وهو يقف أمام أقل موظف يستجدي منه حقه..
انظري إليه؛ والأمر يُقضى في كل شئونه ولا رأي له.
هل تظنيه سيأتي في النهاية ليَأخذ رأيك …؟
قالت وقد ملَّت من استطرادي: المشكلة أنه يأمر؛ فإذا ناقشت يقول: أنا الرجل، أنا القوام، أمري يطاع بلا نقاش.
ابتسمت وأنا أقول لها: اقرأوا معا سورة الشورى، وبيني له أن من خلق المسلمين ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى:38] وأن الشورى في البيت فرضها الله حتى في أحلك أوقات العلاقة الزوجية عند الطلاق ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً﴾ (أي فطاماً للابن الذي بينهما) ﴿عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ [البقرة:233].
بيني له أن عكس الشورى الفظاظة وغلظة القلب، وهي سلوك من لم يتحل بخلق الشورى، وأن هذه الأخلاق تؤدي الى اتساع هوة الخلاف بينكم، فالله يبسط كل ذلك في قوله: “فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ” [آل عمران:159]
قالت: ينفعل ويتهمني بالجدال.
قلت لها: إذاً تريدان أن تتعلما فن الحوار.. فهو المهارة الأساسية في خلق الشورى.
قولي له أنا احتاج منك نصف ساعة نجلس سوياً؛ لنناقش أمر مهم في حياتنا، أرجو أن تحدد الوقت.
فإن الرجل يستهويه مثل هذا العرض، أن يكون مدرك أنه لا يجرجر إلى حوار لا فائدة منه، وأنه هو الذي يحدد موعد النقاش.
قالت: فإن حاورته.. واقتنع، ثم رفض لمجرد أن رايه لابد أن ينفذ، وأن ما عليا الا السمع والطاعة؟ قلت وقد فاض بي الكيل: قولي له الآن نكتب محضر هذه الجلسة.
وأحضري ورقة وقلم، وسجلي نقاط النقاش، واكتبي النقاط الذي أظهر قناعته بها، وفي نهايتها اكتبي: حسبي الله ونعم الوكيل.. ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللهِ إِنَّ اللهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [غافر:44]، لقد أمر الله زوجي بالشورى، وهو يأبى أن يأخذ بها واجعليه يوقع.
انفجرت ضاحكة وقالت: والله حل معقول..
ووعدتني أن ترد على بالنتيجة.
وبعض انصرافها رحت في تفكير حزين؛ كلنا نسأل عن الشورى، وكلنا نتمنى أن يأخذ قائدنا ومديرنا ببعض رأينا، وقد نجاهد ونتعب ونثور من أجل ذلك، فإذا انقلبنا إلى بيوتنا كان آخر ما نفعله مع أهلينا هو: الشورى!
فحتى تستقيم البيوت؛ أصبح لابد أن ندعو كل أب وأم أن يعلموا أولادهم الشورى.