من يربي أولادنا؟... مبادرة مجتمعية
قال لي صاحبي: أنت متخلف؟
لم آخذها على محمل السب، لكني نظرت إليه مستفهمًا وقلت: وما مظاهر تخلفي؟
قال: لازلت تتحدث عن ضبط الفضائيات والإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي! نحن في ثورة معلومات يا أستاذ لن تستطيع ملاحقتها.
لم يدع لي فرصة للرد وقال: والعجيب أنك تشارك في برامج الفضائيات ولديك مواقع على النت وتستخدم هذه التكنولوجيا في نشر فكرك ورسالتك!
ثم تطالبنا بضبط تعامل أولادنا مع هذه الوسائل؟ مستحيل!
قلت له: اسمع يا أخي:
من الذي سَيُسأَل عن أولادي يوم القيامة؟
قال لي: أنت.
قلت له: وماذا سأخلّف في الدنيا بعد انقطاع عملي؟
قال لي: ولد صالح يدعو لك.
قلت له: ومن سيشفع لي بين يدي ربي إذا أثقلتني الذنوب؟
قال: ابنك لو كان حافظًا للقرآن.
قلت: وكل هذا كيف سأحصل عليه؟
قال: بالتربية السليمة.
نظرت إليه في أسى وقلت له: ذلك لو كنت أنا الذي أربيهم.
تعجب صاحبي وقال: فإذا لم نكن نحن نربي فمن يربي أولادنا؟!
هناك أربع مؤسسات في المجتمع تشارك كل واحدة منها بسهم ما في تربية أولادنا وزرع القيم والمبادئ فيهم؛ مؤسسة الأسرة، والمؤسسة الدينية (المسجد) والمؤسسة التعليمية (المدرسة والجامعة) ومؤسسة الإعلام (المسموع والمرأى والمقروء) .
والملاحظ أن المؤسسات الثلاثة الأولى، الأسرة والمسجد والمدرسة، قد تخلت عن سهمها في التربية وسلمته إلى المؤسسة الرابعة (الإعلام) بأذرعه الأخطبوطية.
تخلت الأسرة عن دورها بدوران الأب في طاحونة “لقمة العيش” وملاحقة الأم للأزمات الناتجة عن هذه الطاحونة.. وتحولت السنة في حياة الأسرة إلى حوالي تسعة أشهر استنزاف في الدروس الخصوصية وثلاثة أشهر استعداد لهذه التسعة.
وتخلي المسجد عن دوره أولًا بتأميمه وإفراغه من مضمونه التربوي، باقتصاره على أداء الصلاة ثم بضعف القائمين عليه وغيابهم عن احتياجات التربية في عصرنا.
وتخلت المؤسسة التعليمية (المدرسة والجامعة) عن دورها التربوي باقتصارها على الدور التثقيفي، الذي لا يصب في شيء حتى في احتياجات المجتمع المهنية، فأصبح الخريج لا علاقة لما تعلمه على مدى خمسة عشر عامًا بما يحتاجه المجتمع، فيسقط على هوامش سوق التوظيف.
ولم يبق إلا الإعلام الذي يقوم بدوره خير قيام بهمة ونشاط…
هل تريد أن أحدثك يا صديقي عما أعرفه مما يقدمه الإعلام أم تخبرني أنت؟
نظر لي صديقي متأسفًا وقال: “خلّي الطابق مستور”.
قلت له: وحتى متى نتستر على جرائم ترتكب في حق أولادنا صناع المستقبل؟ متى سيمتلئ بريد المسؤولين برسائلنا التي تقول إذا كنا لا نقوى على منع الفضائيات والإنترنت فلنقوي من دور المؤسسات الأخرى؛ المسجد والمدرسة، ولنحاول أن تعود الأسرة لأداء دورها.
نقول للمجتمع لابد أن ندرك من يربي أولادنا.
وأن ندرك أن أفضل استثمار هو الاستثمار في تنمية البشر، وخير من يعطي أفضل النتائج للتنمية هم أولادنا إذا ربيناهم نحن وليس غيرنا.
تعالوا نطرح مبادرة على مستوى جميع المجتمعات في الوطن العربي تحت عنوان:
“استمتعوا بتربية أولادكم”…
تعالوا ندعُ كل قطاعات العمل في بلادنا، سواء القطاع الحكومي بمؤسساته القائمة والهادفة إلى بناء الإنسان، مثل المدرسة والجامعة والمستشفى والنادي الرياضي وجهات التوعية.
أو القطاع الثاني الخاص الرأسمالي الذي يحمل رسالة الخدمة المجتمعية والتنمية المستدامة، والذي يعتبر أن بناء الإنسان جزء من خطته التسويقية؛ إذ لن يستطيع أن يبيع ويروج سلعته في مجتمع فاشل.
أو القطاع الثالث الخيري التطوعي؛ حيث نضيف إلى رسالته في إطعام وكساء وإيواء الإنسان رسالة أكثر أهمية، وهي تنمية الإنسان.
تعالوا جميعًا، آباء وأمهات ومعلمين وموجهين، نتحد لنرفع لواء عودة القيم التربوية.
تعالوا نضع خطة تربوية شاملة ننشر من خلالها القيم في المجتمعات وبين الشباب والمربين.
تعالوا نبدأ تثقيف المقبلين على الزواج، بل والمتزوجين بثقافة، التربية ونضع بين أيديهم خططًا واستراتيجيات فعالة للتربية.
تعالوا نضيف إلى مدارس التعليم وجامعات الإعداد المهني الوظيفة التربوية القيمية العملية، لنخرّج مهنيًا مثقفًا على خلق.
تعالوا نحدد غاياتنا التربوية بلا خجل من علمانية فاشلة أو إعلام وفن تجاري شعاره ما يعجب الزبون.
تعالوا نضع غاياتنا التربوية في شعارات أربعة:
- دين سليم مع الله
- وخلق قويم مع الناس
- ورضا وسعادة مع النفس
- وانتماء وارتقاء مع الوطن
تعالوا نخرج من كهوف النسيان قول أحمد شوقي:
إنما الأمم الأخلاق ما بقيت … فإن همُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا
وقول محمد إقبال:
إذا الإيمان ضاع فلا أمان … ولا دنيا لمن لم يُحِي دينا
ومن رضي الحياة بغير دين … فقد جعل الفناء لها قرينا
هذه مبادرة ندعوكم إلى أن تشاركوا فيها…
وتعالوا نربي نحن أولادنا!