“وَمَمَاتِي”.. “السنوار” يعلمنا فن صناعة الموت

"وَمَمَاتِي".. "السنوار" يعلمنا فن صناعة الموت

لأول مرة أفهم معنى كلمة “ومماتي” في قول الله تعالى:

“قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ” (الأنعام: 162)

أعلم معنى أن تكون صلاتي ونسكي وعباداتي كلها لله رب العالمين؛ بالاجتهاد لتوجيه النية والإخلاص له سبحانه.

وأعلم أن محياي أيضًا يمكن أن أجعله لله رب العالمين؛ بمراجعة المقاصد والغايات، والالتزام بشرعه سبحانه وتعالى.

لكني مهما اجتهدت؛ أظل أخاف من الثبات عند الممات؛ أن تضيع مني نيتي ومقاصدي وغاياتي أمام رهبة الموت.

فما بالكم أن أجعل موتي لله رب العالمين!

كيف؟ وموعد الموت لا يعلمه الا الله!

كيف؟ وحال الموت لا يعلمه إلا الله!

كيف؟ والخاتمة (حسنةً كانت أم سيئة) لا يعلمها إلا الله!

فكيف أجعل موتي لله رب العالمين؟

وأخيرًا.. ومع “الطوفان”

تعلمت “فن صناعة الموت”، وعرفت معنى “الموتة المطهرة” التي يدعو بها الإمام الشاذلي في أوراده

“اللهم ارزقنا الموتة المطهرة”.

وعرفت كيف وقف الإمام حسن البنا في حشود الطوائف الصوفية، التي تردد دعاء الشاذلي ليل نهار، وهو يسألهم: أتدرون ما هي الموتة المطهرة؟

ولمّا لم يجب أحد قال: الموتة المطهرة هي أن يفصل هذا عن هذا في سبيل الله، وأشار إلى رقبته.

نعم هذا هو معنى “وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ”.

لكن الأمر كان يحتاج نموذجًا، بعد ما طال الأمد ونسينا النماذج السابقة.

فتأتي حماس والمقاومة، ويأتي شعب غزة؛ ليعطونا كل يوم درس حول “فن صناعة الموت”.

حول: كيف يكون “وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ”.

ويأتي عميدهم وقائد دربهم “يحي السنوار” ليضع الدرس المثالي الذي يلخصه في شهادته المذهلة؛

رجل كان في جوف عدوه مسجونًا، لم يبق إلا هضمه وينتهي.

ويريده الله تعالى أن يعود إلى الحياة بعد سجنه، فيعود يقظًا مستعدًا متأهبًا، وكأن سجنه كان سِنة من النعاس أمنة من الله على درب المعركة، وليس سجنًا لعشرات السنين.

“إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ” (الانفال: 11)

وينطلق السنوار بكتائبه من الجبارين المسلمين، يحصدون من رقاب عدوهم، ومن أمنه الزائف، ومن قببه الهشة، ومن أسواره المنهارة، ما يجعلهم أضحوكة الصديق قبل العدو.

ينطلق ليغمر أرض المعركة بالبطولات؛ والتضحيات التي تروي الأرض فتنبت الخير من هذه الأمة المجاهدة؛ نصرًا وعطاء وتضحية.

وفي الوقت نفسه تنمو أعشاب النفاق الخبيثة، فتظهر رؤوسها مرغمه، بالتخذيل تارة ،والتوهين تارة، وتأييد عدوهم تارة.

فتصبح واجبة القطع مستحقة البتر.

“لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا * مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا” (الأحزاب: 60-61)

ثم يأت يوم موتة السنوار المطهرة، وتصعد روحه إلى السماء، تاركةً شرحًا وافيًا لمعنى الموتة المطهرة، واضعةً القواعد الثابتة لفن صناعة الموت، ومفسرةً ما غاب عن البعض من معنى “وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ”.

يأتي ذلك اليوم والسنوار يستحضر كثيرًا من مشاهد “مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ” (الفتح: 29)

يأتي، والسنوار القائد مع جنوده، بل في مقدمة جنوده، بل في المسافة صفر من العدو.

نرى فيه مشهد خالد بن الوليد يدخل في أعماق صفوف العدو، يأخذ من رقابهم ثم يعود.

يأتي، وقد أثخن في عدوه ضربًا وجرحًا وأسرًا وتقتيلًا.

“فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا” (محمد: 4)

يأتي، وقد انتهت ذخيرته، وكسرت عدته، فإذا به يلتقط عصاة من الأرض، يناوش بها طائراتهم.

يذكرنا بالصحابي عكاشة بن محصن الأسدي رضي الله عنه عندما انكسر سيفه يوم بدر، فدفع إليه النبي صلى الله عليه وسلم عودًا، فصار في يده سيفًا طويلًا أبيض شديد المتن، فقاتل به رضي الله عنه، ولم يزل عنده يقاتل به أعداء الله حتى استشهد في حروب الردة، وكان يسمى هذا السيف “عونًا”.

يذكرنا بخالد بن الوليد، وقد انكسرت في يده تسعة أسياف في معركة مؤتة، فبقي يقاتل بالعاشر سيفًا يمانيًا.

يأتي، وقد سقط زراعه جانبًا مجروحة، شبه مقطوعة، فإذا به لا يبالي، ويظل يناوش عدوه حتى تفيض روحه..

ولسان حاله يهتف بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين دميت أصبعه في أحد المعارك: “هلْ أنتِ إِلَّا إِصبَعٌ دَميتِ وفي سبيلِ اللهِ ما لقيتُ”.

يهتف مع خُبَيْبُ بنُ عَديٍّ الأنصاريُّ، عندما قال وهو متعرض للموت على يد آسريه:

  • وَلَسْتُ أُبَالِي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِمًا … علَى أيِّ شِقٍّ كانَ لِلَّهِ مَصْرَعِي
  • وَذلكَ في ذَاتِ الإلَهِ وإنْ يَشَأْ … يُبَارِكْ علَى أوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ

يأتي، والراية مرفوعة، لن تسقط أبدًا، يشد عليها بكل كيانه.

كما شد جعفر بن أبي طالب عليها يوم مؤتة، وقد أخذ اللواء بيمينه فقطعت، فأخذه بشماله فقطعت، فاحتضنه بعضديه حتى قُتل وهو ينشد:

يا حبـذا الجنةَ واقترابَها

طيبةً وباردًا شرابُـها

والروم روم قد دنا عذابُها

كافرة بعيدة أنسابُها

عَــلَــيَّ إذا لاقـيـتـهـا ضـرابُـهـا

يأتي، وقد فاضت روحه، وصعدت إلى ربها، وهو جالس على كرسيه الفخم يمسك عصاه، كملك يعتلي عرشه ويمسك صولجانه.

يأتي يوم القيامة في عز الشهادة وفخارها، وكأني أراه على سرير رابع مع شهداء مؤتة الثلاثة، يشارك الأجر، فقد علمونا من قبل فن “الموتة المطهرة”.

لقد علمنا السنوار معنى: “وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ”.

اترك تعليقاً