عكس الحياء
في الحوارات الأسرية تُطرح بعض الأسئلة وغالبًا ما يكون الهدف منها إحراج الأب مثلًا أو طرحها لمجرد إطالة وقت الجلوس معه، لكن مثل هذه الأسئلة قد تسبب ضجة كبيرة في رأسي كمستشار تربوي تجعلني أهتم بها، رغم أن صاحبها أو صاحبتها من أبنائي لا يهتم بها بعد سؤالها أكثر من دقائق.
من هذه الأسئلة، ذلك السؤال الذي أطلقته ابنتي وهي شاردة بعد درس جميل في لقائي معهم عن الحياء وأهميته في حياتنا وخاصة عند البنات:
قالت ابنتي: ما عكس كلمة الحياء يا أبي؟
الحقيقة لم أكن مستعدًا لهذا السؤال ولم يخطر ببالي أن أبحث عن عكس أو ضد كلمة، لكن يبدو أن تعليم اللغة العربية في مدارسنا قد أكسب أولادنا هذه الموهبة!
وانطلقت بعض الاقتراحات من أفراد الأسرة كلها معتمدة على صمتي الذي يدل على عدم معرفتي..
قال أحدهم: عكسها (البجاحة).
وقال آخر: عكسها (الفحشاء).
وقال ثالث: عكسها (التبذل).
كنت أستمع وأنا أدير آلاف الملفات في رأسي لأبحث عن إجابة، ولم أجد بدًا من إعلان عجزي، وقلت بهدوء: نؤجل الإجابة للجلسة التالية حتى أستكمل البحث.
وبالبحث والتنقيب في كتب ومعاجم اللغة لم أجد إلا كلمة (وقاحة)؛ وَقَح الرجل أي قل حياؤه، فهو وقِح، وهي امرأة وَقَّاحْ.
واكتشفت أن عجزي في الوصول لمعنى مناسب من خلال البحث سيؤدي لعدم استطاعتي أن أجيب عن السؤال لأبنائي وبناتي.
فأغيثوني: ما عكس الحياء؟
ثم استدرت إلى الحياة العملية من حولي عسى أن أجد إجابة، وللأسف وجدت إجابات كثيرة!!
من أين نبدأ؟
هل من الملابس؟ أم من الألفاظ؟ أم من الأفكار؟…
فهل هيئة تلك المرأة أو الفتاة التي ارتدت على رأسها قطعة من القماش وتركت الحبل على غاربها بعد ذلك، في محاولة لتقليد الموضات العجيبة هي عكس الحياء؟
فما بالك بتلك التي لم ترتدِ شيئًا وخرجت على هيئة مهرجي السيرك، الذين يضعون قطعًا متناثرة من القماش على أجسادهم في ألوان لا تملك إلا أن تضحك منها.
إنني أعجب من ذلك الأب أو الأخ أو الزوج أو من تلك الأم التي تركت هذه الفتاة تخرج هكذا!!
أعلم أن كثيرين منكم يسألوني وماذا في هذا؟
هكذا! …حتى ظهرت الأفخاذ!
هكذا! … حتى برزت البطون!
هكذا!… حتى كُشفت الصدور!
وأعوذ بالله من هذا!!
وإن كان أحدكم يستطيع أن يتجرأ ويصف هذا … ألا يدل هذا على عكس الحياء؟
إنني أستنكر أيضًا وأعتبره من غياب الحياء أن يخرج الرجال إلى الطرقات والمواصلات العامة بالشورت، الذي كان يومًا ما تحت الركبة واليوم ارتفع حتى أصبحنا نغض البصر عنه كما نغضه عن كعوب النساء!
كنت أدرّس في إحدى الجامعات التي بدأ الطلاب للأسف يحضرون إليها بهذا الشورت السخيف، ما اضطر إدارة الجامعة لإصدار قرار بمعاقبة الطالب الذي يتجول في الجامعة ويدخل الفصول بالشورت.
ثم الألفاظ..
فبعد (هتشتغلنى) و(هتحلِّنى) و(متبرمج) و(أساحبي)، أصبحنا الآن نسمع كلمات على ألسنة الشباب هي أقرب إلى الفحش، أظن أن ذكرها هنا عكس الحياء.
ثم الإعلانات…
فبعد التأوهات، والتشدقات، وخلع الملابس، والتقبيل على الهواء … و … و … أصبحنا نرى من يستخدم العورات في استفزاز مقزز يراه الذاهب والقادم.. في شكل من أشكال عكس الحياء.
ثم الأفكار….
فبعد الزواج العرفي، والسري، وزواج الدم، والذي ليس عنده دم … أصبحت العلاقة بين الفتى والفتاة والتي تسمى (بوي فرند) وكأنها قيمة من قيم الشباب، والمصيبة خضوع الوالدين أحدهما أو كلاهما لتلك القيمة، بل وتيسيرها أحيانًا أو المشاركة فيها بشكل ما تحت عنوان الزمالة.
ولسان حالهم يقول (إن فات عليك الغصب خليه جودة).
ثم (لا مؤاخذة).. المساكنة.
وهل أحدثك عن الفن؟ بغنائه ورقصه وكليباته وسينيماته وأخباره وفضائحه وأحواله؟
أم هل أحدثك عن السياسة، بكل ما فيها بدساتيرها وانتخاباتها وتزويرها وبلطجتها ورشوتها؟
أم أحدثك عن هؤلاء الذين يتحدثون بكل وقاحة وبجاحة عن مفردات الدين، بدءًا من العبادات والمعاملات، وانتهاءًا بنقد الرسول والقرآن، بل الله سبحانه وتعالى.
وكأن الدين مباح لأصحاب العقد النفسية؛ فلا يعجبهم زواجه ولا طلاقه ولا عدته ولا أذانه ولا سنته ولا الصحابة ولا الخلفاء، الراشدون منهم وغير الراشدين، ولا علماؤه ولا بنوكه ولا دستوره ولا عقوده ولا حتى معاملاته، ولا طموحاته فليس له إلا أن ينزوي بعيدًا بعيدًا في ركن من القلب خائفًا حتى أن ينزع منه!! فقبره القلب حتى يواريه التراب!!
ثم إذا ظهر من استفزه هذا الهجوم على دينه، وثار لربه سواء بالحكمة أو بالغضب، يندبون حظهم الذي أوقعهم في تلك المنطقة المتخلفة من العالم والتي يسكنها الإسلام.
لقد احترت كثيرًا حول ما أريد أن أقول لأولادي إذا أردت أن أتعرف على عكس الحياء.
ورأيت أن لباسنا وكلامنا وحوائطنا وسلوكنا كل هذا ينطق بعكس الحياء.
ولم أجد إلا قوله صلى الله عليه وسلم فيما روي عنه من حديث أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه: “إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت.” (رواه البخاري)