الحجـــــــــرات المباركات
ضجتِ المدينة بالبكاء عندما قرر خليفة المسلمين، الوليد بن عبد الملك، حوالي سنة 90هـ أن يضم حُجُراتِ زوجات النبي (صلى الله عليه وسلم) إلى المسجد النبوي، وحاول العلماء إثناءه عن ذلك، وذكَّروه بأن هناك سورة من القرآن تحمل اسم “الحجرات”، لكنه رأى مع هيئة مستشاريه (لحكمة ما) أن يوسع المسجد النبوي، ويُبْقِي فقط على قِبْلَة النبي (صلى الله عليه وسلم) ومنبره، والحجرة التي دفن فيها ومعه صاحبيه أبو بكر وعمر (حجرة عائشة)، ويُدْخِل بقية الحجرات في مساحة المسجد.
والزائر للمسجد النبوي يرى الآن في هذا الإجراء خيرًا كبيرًا، من توسعة للمسجد ومحافظة عليه كبيت عبادة؛ لكن من جانب آخر تدمع العيون مع أهل المدينة على تلك الحجرات المباركات التي شهدت حياة خير خَلْقِ الله (صلى الله عليه وسلم).
كم كانت مساحة بيته (صلى الله عليه وسلم)؟ كيف كان تنسيق حجراته؟ كيف كان طلاء الحوائط؟ كيف كانت حجرة الاستقبال؟ وكيف كانت حجرة المعيشة والطعام؟ وكيف كان مطبخه؟ بل كيف كانت اللوحات على الحوائط، والستائر على النوافذ، والسجاجيد على الأرض، وكيف كانت الأرض، وما نوع بلاطها؟ وكيف كانت النوافذ؟
كيف كان ديكور بيت النبوة، أو حجراته أو فرشه (صلى الله عليه وسلم)؟
وتظل حجرة عائشة التي دفن فيها الحبيب تنبئنا كيف كان قصر النبوة!
سيدي يا رسول الله…
لَمَّا سُئِلَتْ زوجتكَ عائشة عن فراشك قالت: “إِنَّمَا كَانَ فِرَاشُ النَّبِيِّ الَّذِي يَنَامُ عَلَيْهِ أَدَمٌ، حَشْوُهُ لِيفٌ”. (أخرجه الترمذي، كتاب “اللباس”، باب “ما جاء في فراش النبي” – الأدم: الجلد)
وقالت (رضي الله عنها): “دخلتِ امرأةٌ من الأنصار فرأتْ فراشَ رسولِ الله عباءة مثنية، فانطلقت فبعثت إليَّ بفراش حشوه الصوف، فدخلتُ على رسول فقال: “ما هذا يا عائشة؟” قلت: “يا رسول الله، فلانة الأنصارية دخلت عليَّ فرأت فراشك، فذهبت فبعثت إليَّ بهذا”. فقال: “رُدِّيه”. قالت: فلم أرده وأعجبني أن يكون في بيتي، حتى قال ذلك ثلاث مرات، قالت: فقال: “رديه يا عائشة، فوالله لو شئت لأجرى الله معي جبال الذهب والفضة”. (أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط)
ولَمَّا سُئِلت حفصة (رضي الله عنها): ما كان فراش رسول الله؟ قالت: مِسْحًا (رداء خشن يُعَدُّ للفراش) نثنيه ثنيتين، فينام عليه، فلما كان ذات ليلة قلت: لو ثنيته أربعًا كان أوطأ له، فثنته، فلما أصبح قال: “ما فرشتم لي الليلة؟” قلنا: هو فراشك إلا أنَّا ثنيناه بأربع ثنيات، قلنا: هو أوطأ لك، قال: “ردوه لحالته الأولى؛ فإنه مَنَعَتْنِي وطأتُه صلاتي الليلة”. (أورده السيوطي في الجامع الصغير في الشمائل عن حفصة)
وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم) وَهُوَ عَلَى سَرِيرٍ مُضْطَجِعٌ مُرْمَلٌ بِشَرِيطٍ، وَتَحْتَ رَأْسِهِ وَسَادَةٌ مِنْ أَدَمٍ حَشْوُهَا لِيفٌ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَدَخَلَ عُمَرُ فَانْحَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ انْحِرَافَةً، فَلَمْ يَرَ عُمَرُ بَيْنَ جَنْبِهِ وَبَيْنَ الشَّرِيطِ ثَوْبًا وَقَدْ أَثَّرَ الشَّرِيطُ بِجَنْبِ رَسُولِ اللَّهِ، فَبَكَى عُمَرُ. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ (صلى الله عليه وسلم): “مَا يُبْكِيكَ يَا عُمَرُ؟” قَالَ: وَاللَّهِ إِلا أَنْ أَكُونَ أَعْلَمُ أَنَّكَ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ كِسْرَى وَقَيْصَرَ وَهُمَا يَعْبَثَانِ فِي الدنيا فِيمَا يَعْبَثَانِ فِيهِ، وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ بِالْمَكَانِ الَّذِي أَرَى. فَقَالَ النَّبِيُّ (صلى الله عليه وسلم): “أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَهُمُ الدنيا وَلَنَا الآخِرَةُ؟” قَالَ عُمَرُ: بَلَى. قَالَ: “فَإِنَّهُ كَذَاكَ”. (أخرجه أحمد)
سيدي يا رسول الله…
لو أردت أن تكون لك الدنيا جمعاء لأتتك راغبة، لكن لأن الدنيا قَدَّرَ اللهُ أن يكون فيها فقراء وأغنياء، فلتكن أنت في جانب الفقراء.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَلَسَ جِبْرِيلُ إِلَى النَّبِيِّ (صلى الله عليه وسلم)، فَنَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ فَإِذَا مَلَكٌ يَنْزِلُ، فَقَالَ جِبْرِيلُ: “إِنَّ هَذَا الْمَلَكَ مَا نَزَلَ مُنْذُ يَوْمِ خُلِقَ قَبْلَ السَّاعَةِ”. فَلَمَّا نَزَلَ قَالَ: “يَا مُحَمَّدُ، أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ رَبُّكَ. قَالَ: أَفَمَلِكًا نَبِيًّا يَجْعَلُكَ أَوْ عَبْدًا رَسُولا؟ قَالَ جِبْرِيلُ: تَوَاضَعْ لِرَبِّكَ يَا مُحَمَّدُ. قَالَ: “بَلْ عَبْدًا رَسُولًا”. (أخرجه أحمد)
أما الحجرات فوصفها العلماء بأن الرجل إذا قام يكاد سقفها يلمس رأسه، وإذا نام تكاد أقدامه تلمس جدرانها، مبنية من الطوب اللَّبِنِ، وسقفها من سعف النخيل وبابها ستارة من الحصير مسدلة.
سيدي يا رسول الله…
بعد أن فتح الله على المسلمين بعض الدنيا، طلبتْ بعض نسائك أن تزيد النفقة قليلًا، ولك الحق كل الحق في خُمْسِ الغنائم، بل ولك كل الفيء الذي يأتيك بدون حرب، توزعه كيف تشاء، وكنت تعطي عطاءَ مَنْ لا يخشى الفقر كما شهد الكافر بذلك، بل كنت تنادي: أنفق بلالا، ولا تخشَ مِنْ ذي العرش إقلالا.
فلما أرادتْ زوجاتك أن يتوسعن في بيوتهن هجرتهن شهرًا حتى أنزل الله تعالى: “يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدنيا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلا، وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآَخِرَةَ فَإِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا” (الأحزاب: 28، 29)
فلمَّا خَيَّرهن قُلْنَ جميعًا: نختار الله ورسوله والدار الآخرة.
ليست هذه دعوى للفقر، لكنها دعوة للقناعة والرضا، ودعوة للبساطة؛ أن نعلم أن الأمر ليس أمر أثاث ومظاهر؛ فليست قيمة الإنسان في نوع الفراش أو الزينة على الجدران أو الستائر، لكن في بساطة عيشه، مع روعته وجماله ونظافته.
وإن كانت حجرات رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قد اختفت معالِمُها إلا أنه مازال ينادي أصحاب الحجرات في كل زمان ومكان.
عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتِ: “اسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ (صلى الله عليه وسلم) ذَاتَ لَيْلَةٍ فَقَالَ: “سُبْحَانَ اللَّهِ! مَاذَا أُنْزِلَ اللَّيْلَةَ مِنَ الْفِتَنِ، وَمَاذَا فُتِحَ مِنَ الْخَزَائِنِ!! أَيْقِظُوا صَوَاحِبَاتِ الْحُجَرِ؛ فَرُبَّ كَاسِيَةٍ فِي الدنيا عَارِيَةٍ فِي الآخِرَةِ”. (أخرجه البخاري)