صالحهما الظلال: الرافعي يشعل معركة بين سيد قطب وعلي الطنطاوي
في معركة القديم والحديث في النقد الأدبي، التي ثارت في ثلاثينيات القرن الماضي، كان هناك اتجاه يميل إلى الاستفادة من الأدب الغربي، يتزعمه العقاد وطه حسين، ويناصره أديب شاب اسمه سيد قطب، وكان الاتجاه الآخر متمسكًا بسلفية الأدب، وهو غالبًا اتجاه يميل نحو النزعة الإسلامية، ويتزعمه الرافعي ومحمود شاكر، ويناصره من الشباب شيخ شاب اسمه على الطنطاوي.
كتب سيد قطب يومًا مقالًا عن مصطفى صادق الرافعي، أقل ما يقال فيه أنه اتهمه بانعدام الإنسانية في أدبه، فرد عليه محمود شاكر بمقالات تحت عنوان “بين الرافعي والعقاد”، وانضم إلى شاكر الشيخ الشاب علي الطنطاوي. ودارت المعركة على صفحات مجلة الرسالة ذائعة الصيت حينها والتي كان يديرها أحمد حسن الزيات.
وللأسف؛ خرجت المعركة بين الأديب الشاب سيد قطب والشيخ الشاب علي الطنطاوي عن الموضوعية، وحدث شكل من أشكال التنابذ بينهما، واشترك فيها كثير من أدباء هذا العصر، البعض يناصر العقاد ويؤيد سيد قطب، والبعض يناصر الرافعي ويؤيد الطنطاوي.
كان قطب شديد اللهجة في نقد الرافعي؛ انتصارًا لأستاذه العقاد، الذي كان لا يطيق كلمة نقد فيه، وكان الطنطاوي كذلك مع شيخه الرافعي. ومما أثار سيد قطب تجاهل الطنطاوي له في مقاله “أهذا نقد، أهذا كلام؟” وخروجه عن الموضوعية في قوله: “ولكني لم أعرف الأستاذ سيد قطب قبل اليوم، ولم أعلم له وجودًا، فهو عندي كاتب جديد، أرى اسمه للوهلة الأولى، فلا أضعه في منزلة في نفسي، ولا أجدني من قرائه، ولا أعلم لآرائه من القيمة والخطر ما يدفعني إلى مناقشتها.”
وانقلبت المناظرة بين الأديبين الشابين إلى معركة، وكان لقلم سيد قطب الحاد وقع السيف على الطنطاوي، الذي أخرج كل سيوفه ليرد على قطب، الذي رد عليه في مقال تالي، بعد أن نصحه بالالتزام بمهنة التدريس ولا يدخل فيما لا يعلم؛ فقال: “فأما إذا لم يسمع هذه النصيحة، وأصر على الاشتغال بالأدب، فله ذاك مادام القانون لا ينص على شروط معينة فيمن يشتغلون بالآداب”.
ودخل الأستاذ الزيات في المعركة عندما طالبه الطنطاوي بوقف النشر لمقالات سيد، فرد بأن معارك النقد الأدبي ظاهرة مألوفة، وأن الرسالة لا تحابي أحد، وهي منبر حر مفتوح مع احترام الأديبين العظيمين العقاد والرافعي.
واستمرت المعركة حينًا حتى صمت أطرافها وانشغل كل منهم في شأنه، وذاع صيت الشيخ والأديب وأصبح لهما في الحياة شأن أي شأن.
وبعد سنين طوال كتب الطنطاوي في كتابه “الذكريات” عن مقابلته لأول مرة بسيد قطب في مكتب جريدة الرسالة، ودهشته لمّا عرفه عليه الزيات؛ فقد رآه دقيق العود، أسمر اللون، هادئ الطبع، ساكن الجوارح، يكاد لا يُسمع من خفوت صوته.
قال” “ففوجئت حقًا؛ لأني كنت أتصوره ضخم الجسم، بارز العضلات، تقدح عيناه شررًا، كالمصارع لا يكتفي بضرب رأس خصمه بالحديد، بل ويضرب رأسه هو أيضًا بالحديد.”
يقول الطنطاوي: “في شبابنا كنا في صف وكان سيد في صف ثم اقترب بكتابه التصوير الفني في القرآن من صفنا فرحبنا به واستقبلناه مستبشرين”.
ثم أعطاه الله ما أرجو أن أُعطَى نصفه أو ربعه أو عشره، فعَلَا عليّ وسبقني، وصنع مالم أصنع مثله حين ألف تفسيره (في ظلال القرآن) ثم أعطاه الله الشهادة في سبيله؛ النعمة الكبرى، التي تمنيتها ثم لم أعمل لها.
يرحم الله الجميع، مضوا إلى ربهم وتركو لنا الأخلاق والقيم العالية عند الاختلاف وتركوا المقاييس التي يقاس عليها الرجال.
مراجع:
- مجلة الرسالة الأعداد 258: 262 /1938
- الذكريات، على الطنطاوي
- رائد السمهوري، على الطنطاوي وأعلام عصره، دار مدارك للنشر، مارس2012