الأساطير السبعة في ضرب الأبناء

الأساطير السبعة في ضرب الأبناء
الأسطورة الأولى: الضرب يصنع الرجال!

الضرب لا يصنع رجالًا، ولا نساءً ولا ينتج آباءً ولا أمهات؛ فالضرب في حد ذاته إهانة، ويدل على أن الضارب قد وصل إلى أعلى مستوى من مستويات احتقار الطرف الآخر، أو أنه وصل إلى أعلى درجات الضعف وعدم السيطرة والمهانة الداخلية؛ فلا يستطيع إدارة الآخر إلا بالعنف والإرهاب.

فما ظنكم في بيئة تربوية مثل هذه البيئة؟ هل تصنع رجالًا صالحين أو نساءً صالحات؟

الأسطورة الثانية: الضرب يذكِّر بالأخطاء

‏أو كما يقول المثل: “من أمن العقوبة أساء الأدب”، قد يكون المعنى العام للمثل صحيحًا لكنه ليس دعوة للضرب كعقوبة واحدة تؤدي إلى امتهان كرامة الطفل.

والحقيقة إنك بالضرب ترسل لطفلك رسالتين في نفس الوقت؛ الأولى: أنك أخطأت، والثانية: أنك إنسان سيء لا تستطيع عمل الصواب أبدًا، والتضاد واضح بين الرسالتين والثانية تلغي تأثير الأولى.

كما إن الضرب لا يقدم البديل الصحيح عن الخطأ الذي تعاقب عليه غالبًا؛ فالضرب عملية تتسم بالضجيج والضوضاء وعدم التحكم، فكيف تستطيع التوجيه التربوي والتذكير في مثل هذه البيئة؟ بل كيف تطمئن لصدق المضروب إذا اعترف لك بالخطأ وأنه لن يعود إليه مجددًا؟

إن المضروب لا يريد إلا شيئًا واحدًا الآن؛ ‏أن يتخلص من آلام الضرب المبرح؛ وبالتالي سيخبرك بكل ما تريد حتى لو كذب عليك.

الأسطورة الثالثة: أنا أضرب وأنا واعٍ لما أفعل

هذه كذبة كبيرة؛ فالضرب أسلوب وحشي افتراسي لا يفعله الإنسان إلا إذا كان في قمة غضبه، والله (سبحانه وتعالى) يقول: “وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ” (الشعراء: 130)، وكم من حوادث تسبب الضرب فيها بعاهات لا يمكن لواعٍ أن يتسبب في حدوثها لابنه أو ابنته.

وقد أثبتت الدراسات العلمية أن العنف يولد عنفًا أكبر، وأن الشخص إذا بدأ الضرب لن يستطيع أن يتوقف إلا إذا عنفه أحد وجذبك بشده.

الأسطورة الرابعة: الضرب أداة ترهيب

وقد يعتقد البعض أن التخلي عن هذه الوسيلة هو ترك التربية القائمة على الترغيب والترهيب، ألا يعلم هؤلاء أن هناك أساليب كثيرة للترهيب لا تؤذي نفسية الطفل؟ كالحرمان المؤقت مما يحب، وتغير الوجه وإبداء الاستياء أو تكليفه بالخدمة.

ومثل هذه الوسائل التربوية توصل رسالة للطفل أنه محبوب رغم أخطائه، أما الضرب للترهيب فيفقد أثره بالتعود. وكم من أطفال تقول عنهم أمهاتهم: “لقد أصبح لا يتوقف إلا إذا ضربته وكأنه أدمن الضرب وكأنه يرتكب الخطأ من أجل أن نضربه!!”

الأسطورة الخامسة: الضرب وسيلة لإظهار الحب

وهذه من المبكيات المضحكات! والبعض يرى أنه من زيادة حبه لابنه فإنه يؤلمه بشدة ليربيه، وقد يقول أحد الوالدين لابنه الذي يضربه: سيأتي اليوم الذي تشكرني فيه على أني ضربتك!

 كيف سيشكرك على أنك سببت له ألمًا يومًا ما؟! نعم سيستمر يحبك، وقد يقدم لك البر لكنه سيظل يذكر تلك المرة التي عاملته كحيوان وضربته ضربًا مبرحًا.

قد يقول البعض أنا أقسو عليه من رحمتي به!! نعم قد تكون القسوة نوع من وسائل التربية أحيانًا، لكن هل وسيلة القسوة الوحيدة هي الإيذاء والإيلام البدني؟ إذا عودت ابنك أن أعلى مستويات قسوتك عليه أن تعبس في وجهه مغاضبًا وأن تحرمه من ابتسامتك، فستكون هذه هي أقصى الوسائل التربوية التي تستخدمها معه، وإذا عودته أن قسوتك التربوية تتلخص في 10 صفعات على وجهه عند الخطأ، فسوف يتمادى حتى الصفعة التاسعة ولن توقفه الصفعة العاشرة للأسف!!

الأسطورة السادسة: كم ضربنا آباؤنا وها نحن بخير

يقول أحدهم: “كان أبي يستقبلنا بعلقة ويودعنا بأخرى!!”

في أحد المحاضرات قال لي طبيب تجاوز الخمسين: يا أخي نحن ربانا آباء لم يدرسوا تلك النظريات العلمية للتربية، ونحن في أفضل مستويات التربية والحمد لله!!

قلت له مبتسمًا: وكيف رباك أبوك؟

قال وهو يجاريني في الابتسام: كان أبي يراني على خطأ فيقول لي: لا تفعل ذلك، ثم يعود فيجدني أعمل نفس الخطأ فيأخذ بأذني ويوجعني ويقول: ألم أقل لك لا تفعل ذلك؟ ثم يعود في الثالثة ليجدني على نفس الخطأ!! هنا يعلوني بالعصا حتى يكاد يكسر أضلعي.

قلت له بهدوء: تعالى ننفذ هذه الطريقة مع تحديد خطأ ما؛ دخل أبوك عليك وأنت تجلس أمام شاشة الكمبيوتر تضيع وقتك في ألعاب غير مفيدة أو مشاهدات فاسدة، أخبرني ماذا سيفعل معك؟ نظر إلي الطبيب في شرود وعلى شفتيه ابتسامة وقال: وهل كان أيامنا كمبيوتر وإنترنت؟!

ومع ضحك الفاهمين من الحضور قلت له وأنا أنهي الحوار: نعم… فليس كل ما صلح أيام أبيك يصلح في أيامنا هذه، هذه واحدة.

الثانية: إن التقليد الأعمى مرفوض تمامًا، وقد حمل عليه القرآن حملة واسعة “قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا، أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ” (المائدة: 104)

الثالثة: ألم تلحظ أن أباك استخدم معك أسلوبًا يتسم بالتدرج؛ فبدأ بالنهي ثم الاقتراب بالألم ثم وصل إلى الضرب، وإن كان وصل إليه بسرعة تناسب هذا الزمان.

الرابعة: وما أدراك أنك بخير؟ لو كان حجم الشر الذي نالك من أسلوب تربية أبيك أن تقلدها مع أولادك لكفاك بها شرًا.

الأسطورة السابعة: ورد الأمر بالضرب في القرآن والسنة

وهل كل ما ورد في القرآن من المباح نحن مأمورون أن ننفذه على سبيل الوجوب أو حتى الاستحباب؟

فالطلاق ورد في القرآن، وتعدد الزوجات ورد في القرآن، والحرب وردت في القرآن.

وصيغة الأمر بالضرب، هل هي صيغة فرض، أم ندب، أم كراهية، أم تحريم؟

وإذا كان الرسول (صلى الله عليه وسلم)، وهو النموذج المثالي في تنفيذ القرآن، كان موقفه التنفيذي لهذا الأمر عكس كل ما يتصوره البعض؟

الكل يتحدث عن إباحة ضرب الرجل لزوجته إذا نشزت مثلًا، أو سعت لإفساد الحياة الزوجية بلا حق وبعد استنفاد الوسائل الأخرى جميعًا، ويتحدث عن قول النبي (صلى الله عليه وسلم) عن تربية الأولاد: “مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين واضربوهم عليها وهم أبناء عشر وفرقوا بينهم في المضاجع.” (رواه أبو داوود وقال النووي: حسن)

ونسأل سؤالًا مبدئيًا: كم مرة غير هاتين المرتين ورد الضرب كوسيلة للتربية في مصدري الإسلام: القرآن والسنة؟

وكم مرة ورد النهي عن الأذى والضرب في القرآن والسنة؟

بالمقابل، كم مرة ورد عكس الضرب، مثل المعروف والرحمة والإحسان والبر والشفقة؟

وأخيرًا: كم مرة ورد فعل النبي (صلى الله عليه وسلم) الذي يتلخص في قول عائشة (رضي الله عنها): “ما ضرَبَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بيَدِه امْرَأةً له قَطُّ ولا خادِمًا، ولا ضرَبَ بيَدِه شَيئًا قَطُّ إلَّا أنْ يُجاهِدَ في سَبيلِ اللهِ.” (رواه أحمد)

ثم هل درس أحدكم التوصيف الفقهي للضرب الوارد في القرآن؟

وهل علمتم أسبابه وشروطه ووسائله؟

وهل علمتم حكمته وآثاره وعواقبه؟

ثم هل جاءكم من هدي الحبيب المصطفى (صلى الله عليه وسلم) ما يوضح ذلك كله؟

على من يتحدث بقول الله أو قول رسوله (صلى الله عليه وسلم) عليه أن يستعين بأهل العلم حتى يتعلم كيف يضع القول في موضعه الصحيح، فمن عمل بغير علم أفسد أكثر مما يصلح.

ويكفيني أن أذكر هنا قصة وردت في السيرة تبين الكراهة الشديدة لوسيلة الضرب عند النبي (صلى الله عليه وسلم)، وأن الله بين من خلال سلوك نبيه (صلى الله عليه وسلم) من الضوابط ما يجعلها تكاد تكون في حكم الملغية، بل المنهي عنها!!

يقول الصحابي الجليل أبو مسعود الأنصاري: “قمت أضرب عبدًا لي بسوط فسمعت صوتًا يأتي من بعيد يقول: (اعلم أبا مسعود.. اعلم أبا مسعود..) حتى اقترب فتبينت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لي: “اعلم أبا مسعود أن الله أقدر عليك من قدرتك عليه”، أي أن الله يقدر عليك أكثر من قدرتك عليه، قلت أعتقه يا رسول الله؟ وهذا من شدة ندمه وشعوره بالذنب، فقال صلى الله عليه وسلم: “عسى أن يغفر الله لك.”

الحقيقة الوحيدة: الضرب آخر الوسائل التربوية

نعم.. فلا يعني كل ما سبق إنكار الضرب كوسيلة تربوية، لكن بضوابطها كأي وسيلة أخرى

ضوابطها قبل الضرب

وضوابطها أثناء الضرب

وضوابطها بعد الضرب

 فما هذه الضوابط؟ هذا ما سنتناوله في مقال آخر…

اترك تعليقاً