كيف نحتفل بالنصف من شعبان كل ليلة؟
ما زال النقاش يدور كل عام حول سُنية وبِدعية الاحتفال بمواسم معينة، أو تخصيصها بعبادة مثل: أول رجب ومولد الرسول وليلة النصف من شعبان.
وهذا النقاش المستمر سببه أمران:
الأول: مسلمون طيبون مقبلون على ربهم، ينتهزون كل فرصة ليتوجهوا الى الله ليفرج كربهم، ويوسع أبواب الخير عليهم، ويفتح لهم أبواب رحمته.
وهؤلاء مشكلتهم نقص العلم والفهم، وتقبلهم لأي كلام يسمعونه؛ مادام خير من وجهة نظرهم.
وقائلهم يقول محتدا: يعني احنا بنعمل أيه؟ بنعبد ربنا!
والثاني: علماء أو طلاب علم يدركون الصحيح من الضعيف والموضوع على نبيهم r، ويعرفون خطورة اختراع عبادة، أو العمل بهذه الأحاديث الضعيفة أو الموضوعة.
لكن يعيب هؤلاء أنهم لم يستطيعوا ان يربوا في ضمير عامة الأمة خطورة البدعة في دين الله، وأن الله يجازينا الخير على الابتداع في أمور دنيانا، والسبق في كل جديد من أمورها، ويعاقبنا على أي اختراع في الدين؛ سواء على مستوى الاعتقاد أو العمل، مع التفاوت في الحكم بينهما.
وأن أي اختراع بسيط في دين الله – لم ينزل به قرآن، أو جاء من طريق صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو اعتمدته القرون الفاضلة الأولى نتيجة عن اجتهاد صحيح – فهو بدعة في دين الله؛ يؤدي الى فجوة كبيرة في الدين مع مرور الزمن؛ حتى لو كان بسيط في نظر صاحبه، حتى لو كان صاحبه يقصد به التقرب الى الله عز وجل.
وهو البدعة التي قال عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الحسن: ((وكلَّ مُحدَثةٍ بدعةٌ، وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ، وكلَّ ضلالةٍ في النَّارِ))
فضل النصف من شعبان:
نظرت في الأحاديث التي وردت في فضل النصف من شعبان فلم أجد منها حديثا يصلح؛ فهي بين ضعيف ومكذوب، وما لا أصل لها؛ مثل: [إذا كانَتْ ليلةُ النِّصْفِ من شَعْبانَ قُومُوا لَيْلَها وصُومُوا نَهارَها] قال العلماء: ضعيف ليس له أصل صحيح
إلا حديث واحد وان كان فيه ضعف، ولكن تقبله العلماء، وغير الأحاديث التي وردت في فضل شعبان كله ومنه النصف:
ما رواه الطبراني وحسنه الالباني: قال صلى الله عليه وسلم: ((إذا كان ليلةُ النصفِ من شعبانَ اطَّلَعَ اللهُ إلى خلْقِه، فيغفرُ للمؤمنينَ، ويُملي للكافرينَ، ويدعُ أهلَ الحِقْدِ بحقدِهم حتى يدَعوه))
ونلاحظ في الحديث التركيز على أمرين:
الأمر الأول: ماذا نفعل في ليلة النصف؟
1- تجديد الإيمان: والاطمئنان أنه لم يتسرب اليه أي شرك؛ حتى نصبح من المغفور لهم في هذه الليلة؛ وإلا نكون من الذين يملي لهم الله ) سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (182) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ( [الأعراف: 182-183]
وهي نصيحة رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قال ((إنَّ الإيمانَ ليخلَقُ في جوفِ أحدِكم كما يخلَقُ الثَّوبُ؛ فسَلُوا اللهَ تعالى أن يُجدِّدَ الإيمانَ في قلوبِكم)) و(يخلق) يعني يدوب ويقدم ذي الثوب.
وفي رواية ضعيفة: أمرهم أن يجددوا إيمانهم بقول: (لا إله الا الله)
2- تنقية القلب من خلق الحقد المذموم:
والحقد باب الحسد، ومدخله الواسع الى القلب، وقالوا إن القلب السليم الذي يريده الله منا هو: القلب الخالي من الحقد والحسد.
فالتركيز على تصفية النفوس، واذالة العداوات والبغضاء، من أرجى الأعمال في هذه الليلة، التي إذا اطلع الله عليها أجزل لنا الثواب.
الأمر الثاني: اطلاع الله تعالى:
((إذا كان ليلةُ النصفِ من شعبانَ اطَّلَعَ اللهُ إلى خلْقِه))، وهو المحفز الأساسي للجد والاجتهاد في هذه الليلة.
ولكن السؤال: متى غاب الله عنا وهو الرقيب سبحانه وتعالى؛ ألن يعلنها عيسى ابن مريم يوم السؤال: )كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ(؟ [المائدة:117]ألا ينزل الله كل ليلة الى السماء الدنيا، ويقترب ويسأل عن عباده؟ كما ورد في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم؛ وهو من الأحاديث المتواترة عالية الصحة، يقول r: ((ينزلُ اللهُ كلَّ ليلةٍ إلى السماءِ الدنيا، حين يبقى ثلثُ الليلِ الآخرِ، فيقولُ: من يدعوني فأستجيبُ له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرُني فأغفرُ له))
فإذا كان الله تعالى يطلع علينا ليلة النصف اطلاعا خاصا، فإنه تعالى مطلع علينا، قريب منا في كل ليلة، فلما لا تكون محتفلا بليلة النصف كل ليلة؟
محتفلا بها بزيادة وتثبيت إيمانك وعلاقتك بالله.
محتفلا بها منقيا قلبك، ومنظفه من الأحقاد والحسد، ومرتقي بأخلاقك في علاقتك بالناس.
وكلمة أخيرة تتكرر كل عام: ((وأما ليلة النصف من شعبان ففيها فضل، وكان في السلف من يصلي فيها، لكن الاجتماع فيها لإحيائها في المساجد بدعة))
فاجتهد في هذه الليلة منفردا، متقربا للمطلع عليك – سبحانه -، وما كان لك من ورد معتاد عليه من صيام الثلاث أيام من كل شهر، أو قيام الليل، او الذكر، أو الدعاء، فلك ان تفعله، ولكن تخصيص الليلة بعبادة والدعوة لها فلا يجوز.