دروس في مدرسة يوسف (2).. لماذا بضع سنين؟
في محنة يُوسُف الثالثة في سجنة وبعد تفسير الرؤيا لصاحبي السجن وأن أحدهم سيعدم والآخر سيخرج من السجن:
“وَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا: اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ…”
ولا لوم على يُوسُف السجين البريء، الذي أمر الملك بسجنه دون تحر ودون بحث، إلا الوشاية وتصوير حادث امرأة العزيز والنسوة تصويرًا مقلوبًا.
أحب يُوسُف أن يبلغ أمره إلى الملك ليعيد التحقيق: فقالَ للصاحب الناجي «اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ…«
اذكر حالي ووضعي وحقيقتي عند سيدك وحاكمك.
وهنا يأتي التعقيب على هذا الطلب
“فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ…”
“فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ”
ويتبادر إلى ذهن البعض أن هذه البضع سنين عقاب ليوسف على ضعف توكله على الله
لكن ليس في قوله: “اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ” ضعف في التوكل، فيوسف أكد لهم من قبل «إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ»
والضمير في “فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ” يعود على الصاحب.
وتكون القراءة التفسيرية للآية كما يلي:
فطلب يُوسُف من الصاحب الناجي أن يذكر قضيته عند الملك، فأنسى الشيطان الصاحب طلب يُوسُف بعد أن خرج من السجن، فكان هذا سببا لقضاء يُوسُف سنوات أقل من (العشرة) في السجن.
لكن لماذا هذه السنوات؟
ألا كان من المصلحة أن يخرج يُوسُف من السجن سريعًا؛ ليعم خير نبوته وعلمه وحكمته على الناس؛ بدلا من حبسهم بين جدران زنزانة كئيبة؟
الإجابة: نعم.
ولذلك كان فعل الشيطان «فَأَنْساهُ» ليمنعه من الخروج!
وكيده ليفوت مصلحة خروجه على نفسه وعلى الناس.
لكن كان لحكمة الله تعالى اتجاه آخر؛
فهذه البضع سنين كانت صَقْلا للخبرة، وتزكية للنفس، وتدريب على العدل، وإعداد للمهمة العظيمة.
وتأجل الخروج لحين احتياج الناس لعلمه وحكمته وظهور فضيلته، وتبوؤه المكانة العالية، فلو خرج بشفاعة الصاحب، لكان من المغمورين، وما قال الملك: “ائْتُونِي بِهِ”
فقد قالها بعد أن فسر له يُوسُف الرؤيا، فاهتم بلقائه
ولكن للعجب فإن يُوسُف رفض الخروج من السجن!
والمسافة بين طلب يُوسُف الخروج أول مرة بشفاعة الصاحب، “اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ”
ورفضه الخروج بطلب الملك «ائْتُونِي بِهِ» هي تلك البضع سنين!
تلك البضع سنين التي تعلم فيها يُوسُف أن القضية ليست مجرد الخروج من السجن.
أن القضية ليست مجرد الحرية أي حرية!
أنما فوق ذلك كله (البراءة)
البراءة من الخيانة ومن الدنس ومن التعدي على أعراض الناس
ليس الأمر هو الراحة والسعة، وإنما تبييض صفحة الدعوة ومحو تشويه الشياطين لأصحابها.
إنها بضعة سنين مباركة أراد الشيطان منها كيدا، وأراد الله منها حكمة.
ولم يخرج يُوسُف من السجن إلا بعد أن بانت براءته ليسمعها القاصي والداني،
وتعلنها امرأة العزيز: «الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ. أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ، وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ»
وهنا يستدعيه الملك للمرة الثانية، ولكنه استدعاء من نوع آخر
استدعاء التقريب ورد الاعتبار:
“وَقالَ الْمَلِكُ: ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي…”
“فَلَمَّا كَلَّمَهُ قالَ: “ِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ”
إنها بضعة سنين مباركة يظنها الناس شر وعقاب ويجعلها الله منحة ورفعة.
فقد سكبت هذه البضع سنين في قلب يُوسُف السكينة والثقة والطمأنينة.
فلم يعد يستعجل الخروج.
فكان أثر هذه التربية الربانية شديد الوضوح في الفارق بين الموقفين: الموقف الذي يقول يُوسُف فيه للفتى: «اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ»، والموقف الذي يقول له فيه: «ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ فَسْئَلْهُ: ما بالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ؟ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ».
والفارق بين الموقفين بعيد…
فكم من بضع سنين من الآلام تظنها شر عليك.
وتكتشف بعد بضع سنين عظم مخزون الرحمة في حكمة الله منها.
وكم من بضع سنين قضيناها نقول: “إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا”
فما أن تمر إلاّ ونجد أنه كان مع العسر يسران وليس يسرا واحدًا.
وفي مدرسة يُوسُف تتوالى الدروس.
مصادر:
1- (مجموعة من تفاسير القرآن) أهمها:
- تفسير ابن كثير
- في ظلال القرآن، سيد قطب
- خواطر الشيخ الشعراوي
2- (مؤلفات منفردة في تفسير سورة يُوسُف أو حولها)
- سيتم وضع قائمة المراجع بالتفصيل بعد الانتهاء من السلسلة