"اذْبَحُوا بَقَرَةً"
لماذا سميت سورة البقرة بهذا الاسم؟
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يؤتى بالقرآن يوم القيامة وأهله الذين كانوا يعملون به، تتقدمه سورة البقرة وآل عمران”. (رواه مسلم)
وهي أطول سور القرآن، آياتها 286 آية، وذكرت فيها قصة البقرة في سبع آيات فقط.
ونلاحظ أن أكبر موضوعين تناولتهما السورة هما:
قصة بني إسرائيل وكيف كان شعارهم “سمعنا وعصينا”، (وردت في حوالي 83 آية، 40-123)؛ أي حوالي 40% من السورة.
ومجموعة الأوامر والنواهي والتكليفات الربانية للمؤمنين (في حوالي 203 آية)؛ أي حوالي 60% من السورة.
لكن قصة البقرة تأتي كنموذج صارخ لتعامل بني إسرائيل مع أوامر الله سبحانه وتعالى:
“وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ”. (البقرة:67)
فقد وجدوا رجلًا منهم مقتولًا، فجاءوا إلى نبيهم موسى عليه السلام ليدلهم على القاتل، فأمرهم أن يذبحوا بقرة، بأمر واضح لا لبس فيه: “إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً”، والعجيب أن يكون تلقيهم للأمر الإلهي الصادر عن طريق نبيهم أن يتهموه أنه يمزح معهم ويهزأ بهم؛ “قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا”، يعني (يستهزء بنا)!
فيفزع النبي من هذا التصور ويقول “أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ”.
فيبدأون هم في المزاح : اسأل ربك عن لونها، عن حالها، عن شكلها:
“قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (68) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (69) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (70) قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ” (البقرة:68-71)
وبعد كل سؤال تكون إجابة النبي: “إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ…”
فهي بقرة!
والمطلوب ذبح بقرة!
وكلام نبيهم لهم يؤكد أنه أمرٌ إلهي واضح واجب الاتباع، ومع كل سؤال تأتي الإجابة تضيق عليهم وتصعّب عليهم الأمر؛ فقد شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم.
ولما أصبح الأمر لا فرار منه نفذوه والله أعلم أنهم لم يكونوا يريدوا تنفيذه: “قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ”
وكأن ما سبق من أوامر لم تكن حقًا، وكأن النبي قد يأتي بالحق وبغير الحق!
ويظهر لنا سوء أدبهم مع أوامر الله ومع أنبيائهم.
فكانت قصة البقرة تمثل محور السورة التي تدور عليه؛ فهذه قصة بني إسرائيل الذين حملوا رسالة الله في أكثر من ثلث السورة. وهذه قصة البقرة تبين أسلوبهم الذي يتعاملون به مع أوامر الله، وهذا مصيرهم؛ أن لعنهم الله وسلب منهم اختياره لهم كحملة هدايته للبشرية.
وهذه هي أوامر الله لكم أيها المؤمنون الذين اختاركم الله لحمل رسالته بديلًا عن بني إسرائيل، وهذه أمثلة لها تستغرق حوالي ثلثي السورة، وها وهو سبحانه وتعالى كتب عليكم الصيام والقتال والقصاص والحج وأحكام الأسرة وأحكام الزكاة وغيرها.
وتأتي قصة البقرة وسلوك بني إسرائيل في التعامل مع أوامر الله فيها كأنه يقول لكم عند كل أمر: “اذبحوا بقرة “.
فالنظر ليس للأمر وحكمته، ولكن للآمر سبحانه وتعالى.
فشعارنا نحن المؤمنين عند كل أمر من أوامر الله “اذبحوا بقرة”.
“… وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285) لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ” (البقرة285-286)